رحيل بلا استئذان

جمان قنيص

 

بلا استئذان، وضَعَتْ أمتعتَها من قش وعشب وعيدان على حافة إحدى نوافذ المنزل المطلة جنوبا على القدس، وبعد أيام قليلة، رقدت على بيضها بخشوع.

لم يكن هديلها يُسمع البتة، ولم تُحدث أي اتساخ حول عشها الذي قلما ما كانت تغادره.

 

في الأيام الأولى لإقامتها كانت حذرة جدا، ترتعش وتتأهب للطيران إذا ما اقترب أحدٌ من زجاج النافذة، لكنها بعد وقت قصير أَلِفَتْ المكان واعتادت عليه، كنتُ أجدها غارقة في عشها المطلّ على القدس، تتأمل المدينة في الأفق غير البعيد حيث تسبح بناياتُها في غيوم صباحات نيسان، أو تتلألأ أضواؤها متراقصةً تحت ضوء القمر، بصمتٍ ترثي لحال من تُدمَّر بيوتُهم ويُشتت شملهم. لكنها كما هم جميعُ مَن حولها كانت ترقب كل ذلك بلا حول لها ولا قوة.

 

كنت أزورها كلما أعود عند المغيب، وعندما أستيقظ في الصباح، أتأمل انعكاس أشعة الشمس على ريشها المرتب بدقة، الذي يغطي تكوينها البديع من رأسها حتى آخر ريشة في ذيلها، والذي يزداد جماله إذا ما حركته النسمات، كنت أتحدث إليها من وراء الزجاج، فتصغي إليّ بانتباه، وتغمض عينيها، ثم تغرق في صمتها الطويل، تتصنت على نبضات أفراخها، أو تحلم أن تطير إلى المدينة الغارقة في الأفق.

 

ذات صباح سمعتُ رفرفةً قرب النافذة، وإذا بطائر أسود ذي منقار كبير يقترب من العش، يهاجمها ويخيفها ويحاول أن يسرق أفراخها، تشبّثَتْ بعشها ونفَخَتْ جسمها وريشها حتى بدت أكبر من حجمها، ثم مدت رأسها للأمام، كانت تحدق به كأنها تقول له أنا باقية ولن أرحل. كان كلما ابتعد هو، تهدأ هي فيعود ريشها منسابا، وحجمها كما كان، فتغمر رأسها داخل العش وتمسد أفراخها بمنقارها، ثم ترنو بسكينة إلى المدينة الغارقة في الأفق.  

عرفتُ أن اسم ذلك الطائر “زاغ” وهو نوع من الغربان يسمى غراب الزيتون يأتي إلى فلسطين ربيع كل عام من شرق أوروبا، ويوصف بأنه لص بارع في سرقة بيض الطيور والأفراخ.

 

قبل غياب شمس ذلك النهار، كان عشها فارغا، أعشابه وأغصانه الصغيرة مبعثرة، علِقت به ريشات ناعمة تُقلِّبُها النسمات تحت خيوط الشمس البرتقالية، كانت تحوم بهدوء حول المكان، تودع بقايا ذكرياتِ شملٍ فُرق قبل أن يلتئم، وأسرة انتهت قبل أن تتكون.

بلا استئذان، طارت، ثم ابتعدت وتوارت جنوبا.

كانت الشمس قد غابت تماما، وأضواء المدينة بدأت تتلألأ، وتضيء العتمة في الأفق البعيد.                

 

 

 

 

 

 

 

4 ردود على “رحيل بلا استئذان”

  1. محمد عبد ربه قال:

    العزيزة جمان….
    هي مثل القدس أو تكاد تكون…
    أو هي مثل أهلها المقدسيين تغير عليهم الغربان في كل حين..
    ربما اجتاح ضوء القدس القادم من خلف الجدار والحدود وكتل الموت الإسمنتية عش الحمامة قبل الأن يداهمه الزاغ ليمنح الدفء للفراخ الصغيرة في أجنتها….
    لكن ما بين العش والحمام والقدس حكاية تتجاوز كل الحدود…وكل المسافات…
    هنا في القدس يعيش الناس في أعشاش بلا حماية وفي بيوت باتت أوهن من بيوت العنكبون…
    واذا كان الحمام على النافذة المطلة على القدس غادر موطنه بلا إذن ولا استئذان..فالقدس سيدتي تنسل من بين أيدينا مثل أندلس ليستوطنها الزاغ المسكون بالأساطير وبالجنون….

    كم انتابني الحزن وأنا انتقل بين السطور باحثا عن طيور نافحت ربما حتى الموت عن أعشاشها..حزنت حتى البكاء ، وعادت بين الذكرى الى أيام نكستنا ااثانية كنت يومذاك في السادسة من عملري حين اجتاح طوفان من الزاغ حارة الشرف في قدسنا قديما ..وفجأة وجدنا أنفسنا على تلة جبلية من أرض شعفاط في بيت من طوب ..أقمنا فيه أنا واخوتي العشرة أياما قبل أن نهرب من غزو الزاغ وقد قالوا لنا أن دير ياسين أخرى تجري بالقرب منا …
    آنذاك رحلنا دون اسئذان ، وخضنا الطريق عبر تلة جبلية وعرة سلكناها ووصلنا حتى “عين فارة” قبل أن يعترض طريقنا سائق من دير ياسين يدعى أبو محمد الياسيني فيقلنا رغما عنا الى المخيم ثانية ونعود الى عشنا في بيت الطوب..

    طائر الحمام سيدتي قد يعود ثانية الى عشه على النافذة الجنوبية..حتما سيعود…
    أو ليس صحيحا ما قاله الشاعر ذات يوم…

    وكل منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل

    مرة أخرى تبدعين يا جمان فيما تكتبين وفيما تخط أناملك…فتحية لك ..وقد أثرت في النفس الكثير من المشاعر …
    حمانا الله وحمى وطننا الغلي من كل زاغ معتد أثيم…

    ولك كل تقدير ….

    محمد

  2. آية جوهر قال:

    أجمل تحية لكِ يا جمان :::

    كلّي ثقة ،،، بأنّ صديقتنا الحمامة ،، ذهبت كي تعود من جديد ،،، أقوى وأكثر قدرة على حماية عشها وفراخها ،،، ومن يدرِي ،،، لعلّها اختارت أن تذهب للمدينة الغارقة بالأفق البعيد ،،، فترتـّب حياتها هناك ،،، كيفما شاءت .

    أبدعتِ

  3. كلثوم جابر قال:

    هي حمامة كلما بنت عشها عادت إليه ليكون ككهف مظلمٍ بلا أضواء..ولا منفذ هواء…صباحة كمساء…بلا وميض ضياء…أصواته خافتة…و كلماته صماء…
    عزيزتي جمان….هذه الحمامة تجسد ظلماً عاشه الفلسطيني و ما زال…أما ذاك الغراب فهو المحتل الجبار…أستوطن العش مع سابق الاصرار…حتى أصبحت اسرة الحمامة مجرد تذكار…فمهما كتبنا ستكون النتيجة في النهاية صك إنتحار…
    آمل لهذا الواقع أن يتغير و ان يفك الحصار…
    كلمات جميلة و معنى أجمل…أبدعت و أبدع منك اليراع…..

  4. حذيفة سرور قال:

    تلميذ المس جمان
    لم تكن الروعة فقط عنوان وصفي لهذه المدونة …بل ابى الجمال والرونق ولؤلؤ البحر الي انا يشاركو هذه المدونة صفة الروعة …استاذتي جمان لم يستطع لساني الا ان يطلق اجمل المعاني على مدونتك اتمنى لكي التوفيق ..يا اروع مس

    مع تحيات ..تلميذك حذيفة سرور

أكتب رداً: