الطفل الشهيد ذو البدلة الحمراء

-align: justify; text-kashida: 0%;” dir=”rtl”>

جمان قنيص

 

 

 

لم تمزّق جسدَه القذائفُ والقنابلُ كما الكثير من الأطفال الشهداء في غزة، بل كان يرتدي بدلة حمراء زاهية، كان يبدو وديعا وهادئا، تماما كالظبي الذي ينام وعيناه شبه مفتوحتين، يطل بؤبؤاهما الأسودان من بين أهدابه الطويلة الكثيفة الغارقة في بشرة حنطية ناعمة.

جيء به إلى مستشفى الشفاء يوم القصف الذي استهدف منزل نزار ريان، فَتَح الطبيب عينيه أمام الكاميرات، وتفقّدَهما، فانسدل الجفنان من جديد، وبقيتا شبه مفتوحتين، الطفل شهيد…

ما اسمه يا ترى؟ ربما محمد، فهذا الاسم هو الأكثر شيوعا في عالمنا العربي. ماذا تُراه كان يفعل عندما قَصفت طائرات الـ”إف 16″ منزل ريان؟ ربما كان ينظر إلى السماء، ربما رفع يده الصغيرة ليلوح إلى الطائرة، أو ربما لم يعرف بعد ما هي الطائرات!

بل ربما يعرف، وكان يحاول فرِحا أن يلفظ كلمة “طيارة”، وقد يكون تلقى لعبة طائرة كهدية، تماما كما يُهدى كثيرون ممن هم في مثل سنه ويشبهونه، ويحملون ذات الاسم، ويلبسون البدلات الحمراء كتلك التي كان يلبسها، ويتكلمون اللغة ذاتها التي كان سيتكلمها.. لو بقي حيًّا.

ماذا كان سيحدث لو لم يُقتل؟ ربما لو عاش وكبر بعد أن تنتهي الحرب ويُرفع الحصار، لقُسم له أن يركب طائرة حقيقية تشبه تلك التي لا يزال يلعب بها مَن هم في مثل سنه، وليست كتلك التي قتلته. أو ربما كان يمكن أن يكون قبطان طائرة فلسطينية يقلع بها من مطار غزة، فيحط في بلاد الشرق والغرب، وينقل عروسين إلى جزيرة هادئة لقضاء شهر العسل، وطالب علم مُقبلا على الحياة، وحجاجا إلى مكة وآخرين إلى بيت لحم، ثم يعود سالما إلى والدته، يطل عليها بطلعتِه البهية، فيمتلئ قلبها فرحا.

لكن محمد، أو ربما.. أحمد.. أو خالد.. دُفن في قبر صغير وهو لا يزال مرتديا بذلته الحمراء النظيفة، وعيناه لا تزالان شبه مفتوحتين، مثل ظبي صغير. لكن يده لم تعد تقوى على التلويح للطائرة التي لا تزال تجوب سماء مدينته، كما أنه لن يقوى أبدا على التلويح للطائرات التي ستُقلع يوما من مطار غزة. 

 

2 ردود على “الطفل الشهيد ذو البدلة الحمراء”

  1. فراس قال:

    محمد أو أحمد أو خالد .. أو أيا كان اسمه فهو في نظر العالم … مذنب
    لطالما نبت في حديقة فلسطين , فهو وردة شوكية , تخز الظالم بعينه.
    و لكن المفارقة أن هذه الورد الشوكيه, لها ألوان زاهية و شكل جذاب تنثر شذاها مع نسمات البحر المتوسط المسافرة تجاه هضاب القدس و جبالها ..
    لربما أراد لو قُدر له الحياة أن يطير في سماء وطنه
    لكنه اكتشف باكرا أن الطائرة تحدها قوانين الملاحة الجوية ..
    فاتخذ قراره سريعا , أن يحلق فوق سماء فلسطين , شهيدا دون قيود..

  2. محمد قال:

    هل كان يدرك محمد المسافة بين الحلم والشهادة ..وماذا عن احتمال الجسد الطري طراوة النعناع وهو يذيب حديد الموت المصبوب هدية من العم سام..
    حين كنا أطفالا نهرول في أزقة المخيم - ربما مثل محمد الشهيد- لم نكن نرى سوى الغرباء يجوسون ببساطيرهم تراب المخيم..كانت لنا خيمة وبيت من صفيح أو من طوب ..وكنا نستحم في العراء..هل كان الشهيد مثلنا قبل ان يستحم بدمائه..
    ويح جنون الموت وفتوى الحاخامات..هل يمكن بعد أن نصالح؟؟

    شكرا لك سيدتي
    فقد أنطقت فينا الصمت بعد ان كاد الصمت يقتلنا
    وكدنا ان نضيع في معمعان الرقم والاحصاء..نحصي كل يوم شداء القصف والغارة
    شكرا سيدتي
    فشهداؤنا أنبياء

أكتب رداً: