البيئة التشريعية لحرية التعبير في فلسطين

 

جمان قنيص
يرتبط النظام السياسي الديمقراطي والحريات بعلاقة تشبه إلى حد بعيد تلك التي تربط بين الدجاجة والبيضة، فبصرف النظر عن الذي يأتي أولا، يُفضي وجود أحدهما في الوضع الطبيعي إلى جلب الآخر، فالنظام السياسي الديمقراطي يُتوقع أن “يضع بيض” الحريات التي ستفقس بدورها عن نظام سياسي يضمن بقاءها فيما بعد، وهكذا. وقد تحدث استثناءات بأن يكون “بيض الحريات” فاسدا أو أن تكون الدجاجة غير بيوض.
وبذلك فإن النظرة للحريات وأهميتها، والنطاق القانوني الذي يعالجها، تتحدد ملامحهما حسب الإطار السياسي السائد.

حرية التعبير في التشريعات والأنظمة السياسية:
تكون حرية التعبير في أغلب الأنظمة السياسية الملكية وغير الديمقراطية، وتلك التي تسير وفق الأولويات التنموية أو النظم الاشتراكية، مقتصرة على النخب المؤيدة للنظام الحاكم، وتُفرض الرقابة على هذه الحرية بموجب قوانين للنشر والطباعة، وتُمنح تراخيص امتلاك وسائل الإعلام وفق هذه القوانين أيضًا، وإذا ما مُنحت مساحة للتعبير عن الآراء المختلفة، فإنها تكون بالقدر الذي لا يضر بالسلطة القائمة من منطلق أنها الأدرى بمصلحة المواطنين، لذلك يختار القائمون على هذه السلطة عادة المحررين المسؤولين ومديري الصحف من المؤيدين لها، والذين يعملون وفق توجيهاتها، خصوصا فيما يتعلق بمضمون المواد الإعلامية التي تُبث وتُنشر، ويُحظر على وسائل الإعلام هنا، التعرض للقيم السياسية والأخلاقية السائدة، وُيعتبر أي انحراف عنها جريمة يُعاقب عليها القانون.
وقد بدأت هذه الأنماط من الرقابة تفقد فاعليتها بسبب التطور التكنولوجي السريع، وازدياد الاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته، وبالتالي أصبحت الرقابة في نظر الكثيرين، انتهاكاً لحق التعبير نفسه، ولمبدأ المساواة في التمتع بالحريات المختلفة، وشكلاً من أشكال الاستهتار بأهلية المواطن في اتخاذ القرار وتحديد حاجاته، وتعارضا مع حكم الذات والحاجات الإنسانية والاجتماعية، بالإضافة إلى اعتبار الرقابة على التعبير أحد العوامل التي تساعد في توفير بيئة خصبة لنمو الفساد وعدم محاسبة الفاسدين، ومن ثم إعاقة التنمية والتطور.
أما في النظام السياسي الليبرالي، فقد انصبت الدعوات على ضرورة كف يد السلطات تماماً عن حرية التعبير، وعدم فرض أي قيود عليها تحت أي ظرف كان، وذلك انطلاقاً من “نظرية الحق المطلق” للتعبير، التي تعني أن حرية التعبير حق مطلق لا يجوز فرض أي قيود عليه أو تنظيمه بموجب أي تشريع، لكن المؤمنين بنظرية الحق المطلق بهذه الصورة قليلون، وسرعان ما تراجع كثير منهم عن إيمانهم بها بهذا الشكل، عندما عجزت هذه النظرية عن حل الإشكاليات الكثيرة التي نشأت عن إعطاء الحرية والحصانة المطلقة لكل أنواع الكلام، فأصبحت السلطات مثلا، غير قادرة على محاكمة المحرضين بشكل مباشر على ارتكاب جرائم القتل، أو ترويج الكلام البذيء المخل بالحياء والقيم الاجتماعية لأن هؤلاء المحرضين محميون بموجب القوانين المستوحاة من هذه النظرية.
وقد اتجه دعاة الحرية المطلقة للتعبير بعد نشوء إشكاليات عن إعطاء الحرية المطلقة لكل أنواع التعبير، إلى الدعوة لإدخال ما سموه “صمامات أمان” على التعبير لضبط بعض أنواعه، الأمر الذي يعني العودة إلى تحديد حرية التعبير، ونوع الكلام المحمي.
رغم أن الأنظمة السياسية الليبرالية واجهت إشكاليات عند محاولة تطبيق نمط الحرية المطلقة للتعبير، إلا أن الفضل يعود لهذا النمط في تثبيت شرعية الحق المطلق في حماية التعبير وتقليص شرعية القيود المفروضة عليه إلى حد كبير، ولتجنب هذه الإشكاليات والسلبيات، تم اللجوء إلى إجراء توازن بين مصلحة التعبير من جهة، والقيم الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية، ليُتخذ القرار بهذا الشأن بعد ذلك طبقًا لتحليل مباشر للتكلفة وللفائدة العائدتين من كلا الخيارين، وتكون المحاكم الخاصة والعامة هي الجهة التي تقيّم ذلك وليس الحكومة.
لكن المشكلة في هكذا التوازن، هي أن الوزن المخصص للتعبير يتغير صعودًا وهبوطًا، تبعًا للظروف المحيطة(1)، أي أن تحديد التعبير يخضع للظروف المحيطة به وللاعتبارات الاجتماعية والتاريخية للمجتمع، وهذا يؤدي إلى تفاوت في الحكم على نفس الكلام في مكان آخر وبيئة أخرى، كما أن إجراء هكذا موازنة، يعيد مصير حرية التعبير ليد الجهات التي تتحكم بتحديد الكلام الذي يجب تقييده، والتي تكون عادة الجهات الحكومية أو أذرعها، وهي الجهات التي لديها ميل إلى توسيع دائرة الكلام الذي يُعتبر مؤذيًا ويهدد الأمن القومي أو القيم الاجتماعية السائدة، وهذا بحد ذاته مشكلة، فكيفية التوفيق بين حرية التعبير والقيم الاجتماعية مسألة تتفاوت أهميتها وطبيعتها من مجتمع لآخر، وتحتاج إلى فهم عميق لثقافة المجتمع وسياسته وقوانينه وتاريخه، فالقانون الأميركي مثلاً، يحمي أشكال الكلام الذي يُعبر عن الكراهية والعنصرية، شرط ألا يصل إلى أعمال عنف، أما القوانين في أوروبا، فهي أكثر حساسية تجاه هذا الكلام، لا سيما في مواضيع معينة، ولأسباب تاريخية، كمسألة المحرقة مثلا(2)، ومن هنا برزت حاجة الدول الليبرالية لأنظمة رقابة قائمة على المسؤولية الاجتماعية، يتم التوصل إليها نتيجة التفاوض والحوار المستمر بين الجهاز السياسي ووسائل الإعلام، وتفرض تماهيًا بين الصالح العام وحرية التعبير، وتقوم السلطات القضائية بالبت في أمور أي خلاف.
ولهذا تقوم الأنظمة السياسية الديمقراطية، كالسويد مثلا، بتبني حرية التعبير في وسائل الإعلام، لكن ليس بدرجة مطلقة، بل وفق معايير مهنية تتماشى مع التزامات المجتمع، مثل الدقة والموضوعية والتوازن(3)، ويكون تنظيم مهنة الصحافة ذاتياً وليس من قبل الدولة، كما يكون الرأي العام هو الرقيب على الصحفيين وسلوكهم المهني، ويكون هؤلاء الصحفيون مسؤولين أمام المجتمع(4)، ويحتاج هذا الأمر أن لا تكف الحكومة يدها عن حرية التعبير فقط، بل عليها أيضاً أن تحميها وتحافظ عليها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على ضمانها وممارستها بكفاءة داخل المجتمع(5).

حرية التعبير في التشريعات والنظام السياسي في فلسطين:
لحرية التعبير في فلسطين وضع خاص، فالنظام السياسي فيها ناشئ ولزج ومتقلب باستمرار، هذا فضلا عن أنه غير مستقل، الأمر الذي يُخفض سقف الحريات التي يبقى وضعها مع ذلك أفضل بكثير مما هو الحال عليه في كثير من الدول العربية(6).  فقد أبدت السلطة الوطنية الفلسطينية مرونة نحو امتلاك وسائل إعلام خاصة مقارنة بغيرها من الدول العربية، بدليل وجود عدد كبير من  الاذاعات والتلفزيونات الخاصة في الضفة وغزة(7).
وجدت السلطة الوطنية أمامها إرثًا باليًا من القوانين التي خلّفتها الأنظمة السياسية التي حكمت فلسطين وأثرت بشكل أو بآخر على البيئة التشريعية لقوانين الإعلام، ويمكن التمييز هنا بين مراحلتين:
 1- ما قبل السلطة الوطنية الفلسطينية:
نعني بها هنا الفترة التي تبدأ من العهد العثماني وتنتهي بانسحاب إسرائيل من جزء من الأراضي الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو عام 1994، وبما أنها فترة شهدت تعاقب أنظمة سياسية مختلفة، فلا عجب إذا في أن تكون القوانين التي أُديرت الأراضي الفلسطينية بموجبها من قبل تلك الأنظمة، مُجحِفة بكثير من حقوق المواطنين فيها، لأن تلك القوانين كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى إخضاع الفلسطينيين للإدارات القائمة، ولاستمرار سيطرة هذه الإدارات وبقائها.
وقد اعتمدت الإمبراطورية العثمانية (1517-1917) في بدايتها على الفقه الإسلامي كمصدر للتشريع، ثم وضعت قوانينها فيما يُعرف باسم (مجلة العدلية) التي احتوت على 1851 مادة أعطت كلها صلاحيات واسعة للسلطات كي تتحكم بالحريات المختلفة، ومن بينها حرية التعبير.
أول قانون ينظم حرية التعبير في فلسطين هو قانون المطبوعات الذي أصدره الانتداب البريطاني في 19/1/1933، وأعطى صلاحيات واسعة للمندوب السامي لحرمان المواطنين من الحق في التعبير في أوقات معينة(8)،  ثم أصدر الانتداب البريطاني عام 1936، قانون العقوبات الذي شدد القيود المفروضة على هذا الحق، ليأتي قانون الطوارئ بعد ذلك بتسعة أعوام (عام 45) ويحظر أي مادة إعلامية تضر أو يُحتمل أن تضر بالسلامة العامة أو النظام، وبقي هذا القانون ساريًا حتى عام 48، ليستمر العمل به بعد ذلك في قطاع غزة بموجب أمر صدر من الحاكم الإداري المصري في 15/5/1948، ثم الأمر رقم 22 الخاص بالرقابة، ليأتي بعد ذلك القانون الأساسي لغزة عام 55، ثم النظام الدستوري لقطاع غزة عام 62، وكل هذه القوانين لم تكن أقل تشددا من قانون الطوارئ البريطاني(9).
أما الضفة الغربية التي ضمتها المملكة الأردنية الهاشمية عام 1952، فقد سرى عليها الدستور الأردني لعام 52 الذي كفل حرية التعبير في المادة 15، لكنه ربطها بـ “حدود القانون”، ثم طُبق القانون رقم 16 الذي فرض قيودًا مشددة على حرية التعبير، تلاه قانون الصحافة والمطبوعات الذي لم يكن أفضل منه(10).
وعندما جاء الاحتلال الإسرائيلي سعى إلى تثبيت الوضع على هذا الحال في الضفة وغزة، وأضاف إليه مزيدًا من الأوامر العسكرية التي تُحكم السيطرة على حياة الفلسطينيين وتقيد حرياتهم(11).
وقد كانت إسرائيل تمارس رقابة عبر مجموعة من الآليات القانونية غير الواضحة التي تهدف إلى “عدم تمكين الصحفيين والناشرين الفلسطينيين من الحصول على قدر أكبر من اللازم من الضمانات القانونية”(12).
فقد أصدر القائد العسكري الأمر رقم 101 لعام 1967، والمتعلق بحظر أعمال التحريض والدعاية العدائية ومُنع بموجبه تجمع عشرة أشخاص بغية البحث في مواضيع سياسية، أو رفع أو تثبيت أو عرض أعلام أو إشارات ذات طابع سياسي، وطبع ونشر أية إعلانات أو صور أو كراسات لها مدلول سياسي إلا بموجب ترخيص صادر عن الحاكم العسكري، كما حُظرت بموجب هذا الأمر أيُّ محاولة للأشخاص للتأثير على الرأي العام بصورة من شأنها أن تؤدي إلى المساس بالأمن والنظام العامّين، وفُرضت غرامة مالية على من يخالف هذا الأمر(13).
وكان لزاما على الناشرين إحضار المواد الإعلامية قبل نشرها إلى مكتب الرقابة الإسرائيلي للمصادقة عليها(14)، هذا بالإضافة إلى قيود أخرى صارمة كانت تُفرض على تراخيص الجرائد وتوزيعها، عدا عن سجن الصحفيين وترحيلهم ووضعهم تحت الإقامة الجبرية(15).
 
2- ما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية:
رسَمَت اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة في 13/9/1993، واتفاقية غزة أريحا الموقعة في 14/9/1993 ملامح الإطار السياسيي للضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك النطاق القانوني فيهما.
وقد احتفظت إسرائيلي بموجب اتفاق غزة أريحا بصلاحيات الولاية القضائية والتشريع، من خلال حق الاعتراض على أي تشريع تسنه السلطة الفلسطينية حتى لو كان يتعلق بالفلسطينيين، ومن خلال الإبقاء على التشريعات العسكرية الصادرة عن الاحتلال وعدم إلغائها أو تعديلها(16)، فقد نص البند الرابع من المادة الثالثة للاتفاقية على أن “انسحاب الحكم العسكري لن يمنعه من مواصلة ممارسة الصلاحيات والمسؤوليات المحددة في الاتفاقية”، ثم حُددت هذه الصلاحيات والمسؤوليات في البند الثالث من المادة الخامسة في الاتفاقية ذاتها بأنها الصلاحيات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
ونظرا لاستمرار الحكم العسكري الإسرائيلي بممارسة هذه الصلاحيات المهمة، ولأن إسرائيل لم تنقلها لأي مؤسسة حاكمة بشكل كامل، فإن إسرائيل لا تزال تتحمل مسؤولية دولية تحددها مبادئ القانون الدولي الإنساني (لاهاي لعام 1907 وجنيف لعام 1949)، بصفتها محتلا حربيا، الأمر الذي فرض وضعًا قانونيًا فريدا من نوعه(17)، وهذا يعني أيضا أن على السلطة الوطنية أن تتحمل مسؤولية تجاه حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما يتناسب مع الصلاحيات المنوطة بها، ففي المادة 14 من اتفاقية غزة أريحا أولا الموقعة في القاهرة في 14/5/1994، تعهد الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي بـ “الأخذ بعين الاعتبار الأعراف والمبادئ المقبولة دوليا، ومبادئ حقوق الإنسان وحكم القانون”، أثناء ممارستهما سلطاتهما.
وحتى لو لم ترد هذه المادة، فالسلطة ملزمة بمراعاة قانون حقوق الإنسان الذي أصبح مُلزما بوصفه عُرفا دوليا لكل الدول والسلطات والأجسام التي لا تتمتع بالشخصية القانونية للدولة، كالسلطة الوطنية، وكذلك الفصائل والمنظمات والأحزاب المعارضة، وليس لإسرائيل حق في إرغام السلطة على أن تتصرف على نحو مخالف لمبادئ حقوق الإنسان حتى لو ورد ما يشير إلى ذلك في أي اتفاقية سياسية.
كما ورد في المادة 12 من الاتفاقية ذاتها أن السلطة الوطنية وإسرائيل يجب أن تضبطا وسائل الإعلام من خلال منع التحريض والدعاية العدائية، وأن تتخذا إجراءات قانونية لتحقيق ذلك، مع الإشارة إلى ضرورة عدم الانحراف عن مبدأ حرية الرأي والتعبير: “ستسعى إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى تعزيز التفاهم المشترك والتسامح، وسوف تمتنعان عن التحريض، بما في ذلك الدعاية العدائية ضد الجانب الآخر، لمنع هذا التحريض من قبل أي منظمات أو مجموعات أو أفراد ضمن منطقة النفوذ القانوني لكل جانب”، وقد استخدمت إسرائيل هذا النص بعد ذلك للضغط على السلطة كي تفرض قيودا على الإعلام الفلسطيني.
اعترضت السلطةَ الوطنية الفلسطينية عند بدئها عملية تقنين التشريعات بعد قيامها على الأراضي الفلسطينية في تموز عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، عدةُ عقبات حالت دون أن تكون تلك التشريعات متوافقة مع حقوق الإنسان، أهمها احتفاظ إسرائيل بموجب المادة 9 من اتفاق إعلان المبادئ بصلاحيات السيادة الفعلية، وقصر الأمد الزمني الذي كان متاحا لوضع القوانين والتأكد من ملاءمتها للحاجة الفلسطينية، كما كانت عمليات صياغة التشريعات ووضعها تتم من قبل أعضاء المجلس التشريعي أنفسهم الذين كانوا يُمثلون آنذاك منظمة التحرير الفلسطينية فقط وليس غالبية الشعب الفلسطيني، بينما كان يجب أن تقوم بذلك جمعية تأسيسية تُنتخب لهذا الغرض، هذا فضلاً عن التناقض في مصادر التشريع التي تأرجحت بين المصدر العرفي والشرعي والإسلامي والقانون الدولي، كما احتوى المجلس التشريعي على اتجاهات مدنية وعلمانية وإسلامية أثرت على روح القوانين(18).
أما القوانين والتشريعات التي تكفل حرية التعبير في فلسطين منذ قيام السلطة فهي:
1- وثيقة الاستقلال 15/11/1988 التي تضمن حرية الرأي وليس التعبير عنه، إذ جاء فيها أن “دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ويتمتعون بالمساواة في الحقوق، وتُصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب”.
2- القانون الأساسي المعدل في آذار 2003 الذي تم تعديله بالقراءات الثلاث استنادًا للمادة (111) من القانون الأساسي قبل تعديله، والتي تعطي المجلس التشريعي صلاحية التعديل.
وقد حملت المادة التي تنص على حرية التعبير في القانون الأساسي المعدل الرقم ذاته الذي تحمله المادة التي تكفل حرية التعبير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وهو الرقم 19: “لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”، فنلاحظ أن الإشارة إلى حرية التعبير في القانون الأساسي المعدل كانت عامة وغير موضحة، وربطتها بضرورة “مراعاة أحكام القانون”، كما لا توجد أي إشارة إلى عدم جواز فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام.
3- قانون المطبوعات والنشر الذي صدر في 26/6/1995، أي بعد عام من قيام السلطة، ودخل حيز التنفيذ في 25/7/1995، وهو أول قانون تصدره السلطة حتى قبل انتخابات المجلس التشريعي الأولى، الأمر الذي رأى فيه البعض بارقة خير تدل على اهتمام السلطة بحرية التعبير والإعلام، وتكمن أهمية هذا القانون في أنه جاء ليحل محل اللوائح التي كان معمولا بها سابقا رغم أنه لم يشتمل على نصوص تتعلق بعمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية(19)، لكن مضمون القانون جاء محتويا على قيود أحبطت ذلك التفاؤل، لما فيه من مواد تقيّد امتلاك وسائل الإعلام الخاصة وتشدد على ضرورة الحصول على تراخيص مسبقة من دائرة المطبوعات والنشر، وقد كفل قانون المطبوعات والنشر حرية الرأي والتعبير لكنه قيدها بـ “حدود القانون” و”إطار الحريات والحقوق والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرمتها”. وهي عبارات تُستغل عادة لتوسيع الهامش المتاح للجهات التنفيذية كي تضيق على الحريات. كما ويمنع هذا القانون نشر “معلومات سرية عن الشرطة وقوات الأمن وأسلحتها أو عتادها أو أماكنها أو تحركاتها”. وتُسند صلاحيات النظر في المخالفات التي تتعلق بالقانون لمحكمة مختصة دون تحديد ماهيتها، ما يترك الإمكانية لأن تكون هذه المحكمة هي محكمة أمن الدولة.
4- مشروع قانون المرئي والمسموع عام 1996 الذي كانت الحاجة له تنبع من خلو قانون المطبوعات والنشر لعام1995 من أية إشارة إلى الإذاعات والتلفزيونات الخاصة والإعلام الإلكتروني، كما لم يتطرق ألبتة للإذاعة والتلفزيون الحكوميين اللذين كانا يعملان منذ قيام السلطة في غياب أي تشريع ينظمهما، إلى أن جاء القانون الأساسي الذي أصبح ساري المفعول في 7/7/2002، بعد المصادقة عليه، وقد كفل هذا القانون في مادته السابعة والعشرين حرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وحظر الرقابة على وسائل الإعلام(20)، ويعزو البعض الاهتمام المتأخر بوضع قانون ينظم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلى نشوء عدد كبير من المحطات الخاصة بعد قيام السلطة(21)، ويظهر ذلك جليا في كثرة المواد التي يخصصها مشروع القانون لمعالجة موضوع ترخيص القنوات التلفزيونية والموجات الإذاعية، وكذلك من خلال تصنيف المؤسسات الإعلامية التي تغطي المحافظات الفلسطينية إلى مؤسسات تبث ما يحتوي على الأخبار والبرامج السياسية، وأخرى لا تبث هذين النوعين من المواد الإعلامية.
وقد كفل مشروع هذا القانون حرية الإعلام المرئي والمسموع ووضعها أيضا في حدود القانون، كما تضمّن قيودًا على حرية التعبير من خلال بعض النصوص الفضفاضة، كذلك الذي يتحدث عن ضرورة “أن تحترم المؤسسات الإعلامية علاقة السلطة الوطنية الفلسطينية مع الدول المجاورة”، وألا تبث “كل ما من شأنه أن يسيء إلى هذه العلاقات أو يؤثر سلبيا على الإجراءات الحكومية لتجسيد الالتزام الفلسطيني بهذه العلاقات”، وكذلك “أي مادة قد تؤثر سلبا على عملية السلام”.
وقد بقي مشروع المرئي والمسموع دون إقرار بصورة نهائية من المجلس التشريعي رغم مرور عدة سنوات على صياغته.
في المقابل، تشكل حراكٌ من قبل جهات حقوقية ومهنية من أجل إدخال تعديلات على هذا المشروع، لكن أيا من هذه الجهود لم تفلح بذلك، وبدأت الجهود تصب نحو خيار صياغة قانون جديد لوسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. وقد تُرجم هذا الجهد في مشروع قانون الصحافة والإعلام الذي قُدم للمجلس التشريعي بتاريخ 9/4/2005 وصيغ من قبل بعض الشخصيات الإعلامية وآخرين يمثلون منظمات المجتمع المدني ليشمل كل أشكال وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والمحوسب، فيسد بذلك الثغرات الواردة في قانون المطبوعات والنشر ومشروع قانون المرئي والمسموع، وهو يحتوي على 118 مادة موزعة على ستة فصول، واللافت فيه مقارنة بقانون المطبوعات والنشر ومشروع قانون المرئي والمسموع أنه يتوسع في شرح حقوق الصحفيين وواجباتهم، ويخصص فصلا للنقابة التي أعطاها دورا وهامشا لحماية حقوق الصحفيين ومتابعة قضاياهم، كما يقدم مقترحا لإقامة مجلس الإعلام الذي يكون بديلا عن وزارة الإعلام في الدول الديمقراطية، كما أنه يتطرق بالتفصيل لعدد من الضوابط المهنية للصحفي، كالموضوعية والحياد والدقة.
لكن هذا المشروع لم يُقرّ حتى بالقراءة الأولى، وبقي في أدراج المجلس التشريعي الذي شهد بعد ثمانية أشهر من تاريخ تقديم المشروع انتخابات فازت فيها حركة حماس بأغلبية المقاعد، تبعتها جلسات لم يكتمل نصاب معظمها بسبب الخلافات التي اشتعلت بين فتح وحماس، ومن ثم تعطل عمل المجلس بعد أشهر قليلة بسبب اعتقال رئيسه ومعظم نواب حماس من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
رغم ذلك ازداد ثقل الحراك الذي يقوم به الصحفيون ومؤسسات المجتمع المدني من أجل صياغة قانون جديد يكفل حرية التعبير ويخلو من القيود عليها.      

العوامل التي تؤثر على التشريعات المتعلقة بحرية التعبير في فلسطين:
تتأثر التشريعات المتعلقة بالإعلام، سواء من حيث تطبيقها أو تعديلها او الإضافة إليها بالعوامل التالية:
1- الانقسام بين الضفة وغزة:
أدى الاقتتال الداخلي في حزيران عام 2007 إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، تبعها إعلان حالة الطوارئ في الضفة الغربية، وأصبح هناك سلطتان فعليتان منفصلتان تسيطران على الضفة وغزة، حركة حماس والحكومة التي كانت تشكلها قبل إقالتها في غزة، والرئاسة الممثلة بالرئيس محمود عباس والحكومة التي شكلها برئاسة سلام فياض في الضفة. وقد انعكس هذا الانقسام على بعض وسائل الإعلام سيما تلفزيون فلسطين وفضائية الأقصى اللذين أصبحا يلعبان دورا في تعميق حالة الانقسام السياسي، وجزءا من الصراع(22)، إذ منعت حماس فضائية فلسطين من العمل في غزة وأوقفت بث إذاعة الحرية وصوت الشباب وصوت الشعب، فيما مُنعت فضائية الأقصى من العمل في رام الله، وصحيفتا الرسالة وفلسطين من الطباعة والتوزيع في الضفة.
ولم يُحتكم إلى أي من التشريعات الناظمة للإعلام في فلسطين من أجل ممارسة وسائل الإعلام حقها بالعمل وضمان حريتها. فضلا عن ذلك، فإن وسائل الإعلام المشار لها لم تُعطِ المواطنين الحق بالتعبير عن آرائهم بحرية، سيما إن كانت آراء مخالفة للتوجه السياسي للمحطة.
2- غياب ثقافة الديمقراطية وحرية التعبير عن الأحزاب والسلطة:
رغم ان وضع حرية التعبير في الإعلام أفضل بكثير مما هو الحال عليه في كثير من الدول العربية، إلا أن الكيانات السياسية الفلسطينية من السلطة والمنظمة والأحزاب، لم تمارس حرية التعبير بالمعنى الحقيقي داخلها، نظرا لغياب الديمقراطية الحقيقية.
فالسلطة منذ نشوئها لم تلتزم باحترام حرية التعبير، ولم تحدد موقفا واضحا إزاء ممارستها، بل قامت بـ”إبقاء الأبواب مفتوحة على كل الاتجاهات”(23)، ما أدى إلى غياب النقد والمحاسبة للقيادة من الجمهور والإعلام.
ولم تكن الأحزاب أفضل حالا، فحركة فتح التي بقيت في المجلس التشريعي حتى بداية عام 2006، عاشت طوال سنوات حكم ياسر عرفات “ديمقراطية أبو عمار” القائمة على أساس “قولوا ما تشاؤون وأنا افعل ما أشاء”(24). كما  تعاني الحركة أزمة في الديمقراطية الداخلية أدت إلى عدم تجديد قياداتها بسبب تأجيل انعقاد مؤتمرها السادس الذي كان مقررا عام 1989.
أما بالنسبة لحماس، التي يرى البعض أنها ذات اتجاه وطني مصبوع بصبغة إيديولوجية، فتتبنى نهجا مركزيا، يشبه ذلك الموجود في الأحزاب الماركسية اللينينية(25)، وكان الشيخ أحمد ياسين قد قال: “لسنا حركة ديكتاتورية، بل حركة جهادية، تتخذ كل قراراتها بطريقة الشورى”(26).
ويُستدل مما يُمارس على الأرض في الضفة وغزة بعد الانقسام، من استهداف الصحفيين واعتداء على المؤسسات الإعلامية، واعتقال للمواطنين على خلفية الرأي والانتماءات السياسية، عدم نضوج حرية التعبير عند أكبر فصيلين يتربعان على السلطة السياسية في فلسطين، وقد يكون ممن الصعب انتظار أن يصدر عن أي من ممثلي الحركتين في المجلس التشريعي أيُّ طرح لقانون يكفل حرية التعبير بشكلها الحقيقي، أو حتى تبني أي تشريع يكفل حرية التعبيرن دون أن يأخذوا بعين الاعتبار المصالح السياسية لتلكما الحركتين.  
3- غياب دور المجلس التشريعي:
سُجل قصور في دور المجلس التشريعي في الفترة الممتدة بين آذار 2006 وتموز 2007 حسب تقرير أصدره مركز رام الله لحقوق الإنسان الذي أرجع أسباب ذلك القصور إلى عوامل ثلاث هي التصعيد الإسرائيلي الذي منع نواب المجلس من التنقل والتواصل وحضور الجلسات بسبب الاعتقال، ثم المقاطعة المالية التي تسببت بأزمة داخلية استحوذت على جل اهتمام المجلس، هذا بالإضافة إلى حالة الإنفلات الأمني والاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس الذي أثر على حضور الجلسات وعلى جهود المجلس التي كثيرا ما خُصص جزء منها لتناول تلك الأزمات. 
4- الانفلات الأمني وغياب القانون:
يشير التقرير السنوي للهيئة المستقلة لحقوق المواطن أن 345 مواطنا قتلوا على خلفية الانفلات الأمني عام 2006، فيما وصل عدد الاعتداءات على الوزارات والمؤسسات العامة 273 حالة. 
وقد أثر هذا الإنفلات على سيادة القانون وتطبيقه، فالقوانين الناظمة للإعلام في فلسطين كغيرها من القوانين، أصبحت تفتقد إلى القوة التي تحميها أكثر من ذي قبل، الأمر الذي يُفقد الأمل بأن يكتسب أي قانون جديد أو تعديل للقوانين، قوة التأثير.
5- الاحتلال والاتهام بالتحريض:
أدت الاتهامات الاسرائيلية لوسائل الإعلام الفلسطينية بالتحريض في الماضي إلى اتخاذ مواقف سياسية وإجراءات تؤثر على حرية التعبير كاللجنة التي شُكلت بعد اتفاق واي ريفر الموقع في 14/5/1998 كي تتابع وسائل الإعلام الفلسطينية وتتأكد من عدم ممارسة أي تحريض ضد إسرائيل، وقد صدر المرسوم الرئاسي رقم (3) لسنة 1998 بشأن تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض بعد أسبوعين من الاجتماع الذي تم فيه الاتفاق على تشكيل اللجنة المذكورة، واعتبر “التحريض على استعمال العنف الذي يضر بالعلاقات مع الدول الشقيقة والأجنبية” أفعالا غير مشروعة توجب العقوبة، وقد اعتبرت جهات حقوقية هذا المرسوم غير قانوني ومخالفا لمبادئ الدستور الفلسطيني، لأن المراسيم ذات الأثر الواسع لا يجوز أن تصدر عن السلطة التنفيذية إلا في حال عدم وجود سلطة تشريعية، وقد كان المجلس التشريعي منعقدا في ذلك الحين. كما تبع هذا المرسومَ عدةُ قرارات فلسطينية تقيد حرية التعبير مثل إصدار وزارة الإعلام توجيهات لوسائل الإعلام بتخفيف حدة اللهجة المناوئة لإسرائيل، وقد صرح وزير الإعلام الأسبق نبيل عمرو بذلك(27).

 
المراجع

1- سموللا، رودني. حرية التعبير في مجتمع مفتوح. ترجمة كمال عبد الرؤوف. القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1995. ص66.
2- المرجع السابق. ص515.
3- تشومسكي، نعوم. ردع الديمقراطية. ترجمة فاضل جتكر. نيقوسيا: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1993.
4- سعيد، محمد السيد. حرية الصحافة من منظور حقوق الإنسان. القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1995.
5- A.Smith. Subsides and the Press in Europe. London: PEP, 1997. 
6- احتلت فلسطين المركز الخامس بين الدول العربية من حيث مؤشرات الحريات الصحفية. أنظر: ملخص التقرير السنوي الثاني، الحريات الصحفية في البلدان العربية لعام 2006. (عمّان: مركز عمّان لدراسات حقوق الإنسان). ص24.
7- الشويخ، جهاد. الإذاعات الخاصة في الضفة والقطاع. رام الله: معهد الإعلام - جامعة بيرزيت. 2006. (دون ذكر دار النشر).
8- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. الحق في حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة. حالة قطاع غزة (مايو 94 ديسمبر 98): المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
9- المرجع السابق. ص19.
10- المرجع السابق. ص20-ص21.
11- المرجع السابق. ص22.
12- رويتر، كريستوفر، وإيرامتراود زيبولد. الإعلام وحرية الرأي في فلسطين. هامبورغ: مؤسسة هينرخ بل ومعهد الإعلام بجامعة بيرزيت، 2001.
13- أيوب، نزار. حرية الرأي والتعبير في مناطق السلطة. رام الله: مؤسسة الحق،2001.
14- رويتر، مرجع سابق. ص 29.
15- المرجع السابق. ص 30.
16- مؤسسة الحق. أوضاع متغيرة وانتهاكات مستمرة حقوق الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وفي مناطق الحكم الذاتي. رام الله: تشرين ثاني 1995.
17- المرجع السابق. ص105.
18- لطفي، منال. ضمانات حقوق الإنسان في ظل الحكم الذاتي الفلسطيني، مناظرات حقوق الإنسان(1). القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. دون تاريخ.
19- رويتر، مرجع سابق. ص 29.
20- دائرة العلاقات العامة لهيئة الإذاعة والتلفزيون: - تلفزيون فلسطين.
21- رويتر، مرجع سابق. ص 69.
22- الهيئة المستقلة لحقوق المواطن. تقرير حول الحريات الإعلامية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال الفترة من 15/6/-30/11/2007، سلسلة تقارير خاصة (59). كانون أول 2007.
23- ملخص التقرير السنوي الثاني، الحريات الصحفية في البلدان العربية لعام 2006. (عمّان: مركز عمّان لدراسات حقوق الإنسان). ص103.
24- سالم، وليد. المسألة الوطنية الديمقراطية في فلسطين. رام الله: مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2000.
25- المرجع السابق. ص154.
26- ياسين، أحمد (مقابلة). مجلة السياسة الفلسطينية. عدد 17. شتاء 1998.
27- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. الحق في حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة. حالة قطاع غزة (مايو 94 ديسمبر 98): المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

رد واحد على “البيئة التشريعية لحرية التعبير في فلسطين”

  1. اسلام عماد قال:

    الموضوع جيد جدا اسطتعت الاستفادة منو في دراستي الجامعة
    شكرا لكم

أكتب رداً: