صديق العمر
جمان قنّيص
كانت يداه ذواتا العروق البارزة تتحسسان جسم معن النحيل الصغير وهو يضمه بين ذراعيه، محاولا أن يواسيه ويشد من أزره، بعد أن رحل أبوه إثر مرض مفاجئ.
لم يستطع كبح دموعه الساخنة التي لم تنهمر في أصعب لحظات عمره الذي قارب الستين، فكيف يُعزّي بصديقه، وهو مَن يحتاج أن يُعزّى؟
يضغط على الصغير في حضنه بقوة عندما يتذكر الفرحة التي تلألأ بها وجهُ والده يوم مولده، لا يزال يذكر ملامح وجه صديق عمره الذي يشع طيبة وهو يثير زوبعة لم يألفها زملاؤه منه ويوزع حلوى البِشارة على الأصدقاء في المكاتب احتفالا بمولد وليّ العهد الذي سيحمل اسمه.
كان حديث المعرفة به، لكنه دخل قلبه سريعا، وأصبحا صديقين، وهل يوجد قلب لم يدخله أبو معن، فهو البشوش الخدوم المسالم الذي لا يذكر أحدا بسوء، ولا يعرف الحقد أو الغل، بل ويبادر بالسلام على من أساء له.
أرخى ذراعيه عن جسم الصغير، ثم أمسك وجهه بين كفيه، ونظر في عينيه، فقرأ فيهما انكسارا وحزنا لم يعهدهما من قبل، وما الذي يمكن أن يُحزن طفلا بعمره أكثر من اليُتم؟
تقفز إلى ذهنه ذكريات من الأمس البعيد، يتذكر أبا معن عندما كان يفكر بصوت مرتفع بمستقبل هذا الصغير، وينشغل بما يمكن أن يؤمّن له الحياة الكريمة، كان هذا الحزن آخر ما يتمناه له، لقد فتح لابنه حسابا في البنك، وبنى له طابقا فوق البيت كي يتزوج فيه عندما يكبر، … وأشياء كثيرة كان ينوي فعلها.
تنهمر دفعة جديدة من الدموع أكثر سخونة من سابقاتها، ما أصعب أن يفقد الإنسان صديق عمره، شريك ذكرياته، ومخزن أسراره، لو كان لا يزال موجودا، لشكا له مرارة فراقه، وصعوبة تحمل فقدانه.
أجال بصره في أركان غرفة المعيشة التي كثيرا ما تحدثا فيها عن أمورهما الأسرية والاجتماعية.
في هذه الغرفة كان أبو معن يستقبله، يرحب به ويحتفي. وعلى تلك السفرة، كثيرا ما تناول الإفطار أيام رمضان، دون تكليف، كضيف عزيز على أفراد الأسرة.
كأن الضحكات والفوضى المحببة التي كان يشيعها كي يُشعره بالألفة لا تزال أصداؤها تتردد في المكان.
يفيق من تأملاته، ولا تزال نظرات معن تُحدق به، لكن المكان لم يعد هو المكان، فقد اختفت الضحكات وغابت الفوضى الجميلة، وبدت الغرفة باهتة موحشة، يُحكم ذراعيه حول جسد معن، ثم يمسح بيده على شعره، ويذرف مزيدا من الدموع.
يقطع الصمتَ صوتٌ أنهكه الحزن: البقية في حياتك، أعزيك بوفاة أبي معن، أعرف أنه كان بالنسبة لك أكثر من أخ، لقد قال لي قبل أن يُسلم الروح، أن نلجأ لك إن ضاقت بنا الدنيا.
خرج من البيت، استوقفته أشجارٌ كانا قد زرعاها معًا، أقسَم أن يعود ليقلمها، ويرويها، وأن يحرس أحلام صديق عمره إلى أن تتحقق.
15 نوفمبر 2008 في الساعة 6:59 ص
السلام عليكم
اتحفنا قلمك بما كتب
نتمنى منك المزيد
شكرا لك
21 يناير 2009 في الساعة 3:09 م
ممم ..
في ضم العزيز أو ما يذكرنا به الى الصدر تصرف فطري سامي للتعبير عن المحبة و المَعَزة.
فكيف سنفي ذاك الغالي حقه فيما يُذكرنا به
فتلك الشجيرات زرعناها سويا ,
و على هذا الدرب تمشينا طويلا,
و في ظل ذاك الحائط استظلينا ,
و تحت تلك الشرفة من المطر احتمينا ,
و في هذا الوقت سويا اجتمعنا,
و في هذه المناسبة معا عملنا,
عند وحدتي شكوت له همي,
و عند وحشتي بثثت له حزني,
و لطالما كان خير عون في ضيقتي.
عند اقتراب موعد رحيله , و قد أيقن أنه مُصبح في مكان أخر
كانت كلماته حتى آخر العهد , حرصا و رٍفقا….
شد حالك…
و يده الموهنة تضغط على يد صديقه و يقول
وصيتك الأولاد فهم أولادك بعد رحيلي …
رحل أبو معن
و بقيت اجابه صديقه ..
نعم
سأفعل
11 فبراير 2010 في الساعة 5:08 ص
ما أجمل ما يجود به قلمك الذي تعجز أناملي عن وصفه