يوم مهم في حياة مهووس رياضيا


الأحد, أغسطس 30th, 2009 - في قسم مقالات

يوم مهم في حياة مهووس رياضيا

جمان قنيص
أمس كان يوما مهما جدا في حياة المهووس رياضيا، لأنه بداية الموسم الجديد للدوري الإسباني 2009/ 2010، افتُتح بمباراة بين فريقه المفضل ريال مدريد وفريق ديبورتيفو.
كل شيء رتبه المهووس مسبقا، لم يرتبط بأي مواعيد مع الأقارب أو الأصدقاء، تأكد من جاهزية لاقط القنوات المشفرة. مكّن الأسلاك. وتربع بخشوع أمام التلفاز بعد أن عدّل نظارته على أرنبة أنفه بدقة، وبدأ بمتابعة التحليل الذي يسبق المباراة، وقد بدى الرضا على وجهه إزاء ما يسمع عن التشكيلة الجديدة لريال مدريد والتي انضم إليها سبعة من الوافدين الجدد بينهم نجوم عظام ككرستيان رونالدو وريكاردو كاكا.

وما هي إلا دقائق حتى بدأت المباراة فدخل في حالة عزلة عمّن حوله، تُشبه تلك التي يعيشها المتصوّفون أو مَن أدمنوا فنون اليوغا. وتحوّل إلى إيقونة كبيرة. رقبته لا تنحرف يمينا أو شمالا، عيناة لا ترمشان، وأنفاسه محبوسة. بعد ست دقائق، دبت الحياة في أوصاله، ورفع قبضته في الهواء محيّيا راؤول جونزاليس الذي وضع الهدف الأول، واقترب المهووس من الشاشة أكثر وكأنه يحنو على الهدف كما تحنو الأم على طفلها.
وبعد أربع دقائق فقط، وقع ما كان يخشاه، لقد أُحرز هدف التعادل، فأطلق تنهيدة من أعماقه، وأخذ يعدل جلسته أمام التلفاز وكأن الجلسة غير المريحة هي التي أدت إلى تسجيل الفريق الخصم هدفا في وقت قياسي.
وظلّ يعدل مؤخرته كمن يجلس على لوح صبار، حتى أحرز كريستيان رونالدو الهدف الثاني بعد ضربة جزاء. فاطمأن المهووس قليلا وبانت ابتسامته أخيرا، وتنفس الصعداء، لكن عينيه ظلّتا ملتصقين بالشاشة، وعلى الأرجح أنهما لم ترمشا بعد.

بدا غير مطمئن بتاتا، وازداد توتره وبلغ القلق ذروته عندما جاء هدف التعادل، فهبّت جوارحه لنصرة ريال مدريد، وازداد تأهبا، واتسعت عيناه أكثر، وانفرجت أذناه، وبدت مؤخرته غير قادرة على ملامسة لوح الصبار الذي يجلس عليه.
وبينما هو كذلك، انقطع بث القناة المشفرة، وهو أمر يحدث عادة عندما تشهد القنوات ضغطا في مناسبات كهذه. لكن المهووس لم يطق صبرا، نهض يعدل الأسلاك، واللاقط، ويلوم الشركات المزودة بخدمة الإنترنت. وعندما عاد البث بعد دقائق، اقترب من شاشة التلفاز متفقّدا نتيجة المباراة واللاعبين، خوفا من أن يكون شيئ قد تغير.

وجاء هدف الفوز كثلج يروي ظمأه، وبلسم يهدئ ما لحق بمؤخرته من وخزات لوح صبار صحراوي جاف.
مضت الدقائق الأخيرة من المبارة كلحظات مخاض عسير، وانتهت بفوز ريال مدريد، فأخذ نفسا عميقا لم يدخل رئتيه مثلُه منذ ساعتين تقريبا.
نهض وتمطّى بكبرياء وانتعاش وفخر، نظر حوله، فوجد طبقا من القطايف قد برد، وصحنا من الفواكه يراه للتوّ، وبعضا من الأقارب يهمّون بالمغادرة لم يكن قد لاحظ وجودهم أصلا.

رد واحد »

 رحيل بلا استئذان


السبت, مايو 9th, 2009 - في قسم قصص قصيرة

جمان قنيص

 

بلا استئذان، وضَعَتْ أمتعتَها من قش وعشب وعيدان على حافة إحدى نوافذ المنزل المطلة جنوبا على القدس، وبعد أيام قليلة، رقدت على بيضها بخشوع.

لم يكن هديلها يُسمع البتة، ولم تُحدث أي اتساخ حول عشها الذي قلما ما كانت تغادره.

 

في الأيام الأولى لإقامتها كانت حذرة جدا، ترتعش وتتأهب للطيران إذا ما اقترب أحدٌ من زجاج النافذة، لكنها بعد وقت قصير أَلِفَتْ المكان واعتادت عليه، كنتُ أجدها غارقة في عشها المطلّ على القدس، تتأمل المدينة في الأفق غير البعيد حيث تسبح بناياتُها في غيوم صباحات نيسان، أو تتلألأ أضواؤها متراقصةً تحت ضوء القمر، بصمتٍ ترثي لحال من تُدمَّر بيوتُهم ويُشتت شملهم. لكنها كما هم جميعُ مَن حولها كانت ترقب كل ذلك بلا حول لها ولا قوة.

 

كنت أزورها كلما أعود عند المغيب، وعندما أستيقظ في الصباح، أتأمل انعكاس أشعة الشمس على ريشها المرتب بدقة، الذي يغطي تكوينها البديع من رأسها حتى آخر ريشة في ذيلها، والذي يزداد جماله إذا ما حركته النسمات، كنت أتحدث إليها من وراء الزجاج، فتصغي إليّ بانتباه، وتغمض عينيها، ثم تغرق في صمتها الطويل، تتصنت على نبضات أفراخها، أو تحلم أن تطير إلى المدينة الغارقة في الأفق.

 

ذات صباح سمعتُ رفرفةً قرب النافذة، وإذا بطائر أسود ذي منقار كبير يقترب من العش، يهاجمها ويخيفها ويحاول أن يسرق أفراخها، تشبّثَتْ بعشها ونفَخَتْ جسمها وريشها حتى بدت أكبر من حجمها، ثم مدت رأسها للأمام، كانت تحدق به كأنها تقول له أنا باقية ولن أرحل. كان كلما ابتعد هو، تهدأ هي فيعود ريشها منسابا، وحجمها كما كان، فتغمر رأسها داخل العش وتمسد أفراخها بمنقارها، ثم ترنو بسكينة إلى المدينة الغارقة في الأفق.  

عرفتُ أن اسم ذلك الطائر “زاغ” وهو نوع من الغربان يسمى غراب الزيتون يأتي إلى فلسطين ربيع كل عام من شرق أوروبا، ويوصف بأنه لص بارع في سرقة بيض الطيور والأفراخ.

 

قبل غياب شمس ذلك النهار، كان عشها فارغا، أعشابه وأغصانه الصغيرة مبعثرة، علِقت به ريشات ناعمة تُقلِّبُها النسمات تحت خيوط الشمس البرتقالية، كانت تحوم بهدوء حول المكان، تودع بقايا ذكرياتِ شملٍ فُرق قبل أن يلتئم، وأسرة انتهت قبل أن تتكون.

بلا استئذان، طارت، ثم ابتعدت وتوارت جنوبا.

كانت الشمس قد غابت تماما، وأضواء المدينة بدأت تتلألأ، وتضيء العتمة في الأفق البعيد.                

 

 

 

 

 

 

 

الردود: 2 »

 معاملة في مؤسسة حكومية


الأثنين, مارس 9th, 2009 - في قسم مقالات

اليوم الأحد، بداية الأسبوع في المؤسسات الحكومية. يصل الموظفون عند التاسعة، رغم أن الدوام يبدأ عند الثامنة، فأصول معظمهم من قرى بعيدة عن الوزارات والمؤسسات التي يعملون بها، وهم يذهبون نهاية الأسبوع لزيارة أقاربهم.

يبدأ الجميع بتفقد بعضهم البعض، وتداول الأحاديث الهامة، كالعقبات التي واجهوها على الحواجز والمناسبات الاجتماعية التي شاركوا بها، وأمور أسرية أخرى.

قبل مباشرة العمل، تبدأ عملية البحث عن القهوة، فيتدفق الموظفون إلى المطبخ ويكملون ما تبقى من أخبار وأحاديث، ثم يعرجون على بقية المكاتب، فتشيع أجواء المرح التي تعطي الانطباع بأن الموظفين في حفل استقبال سعيد.

 يبدأ العمل الحقيقي بعد العاشرة، ويكون المراجعون قد تكدسوا في المكاتب، يسير الوقت ببطء، هذا مُراجع أُحيل إلى موظف متغيب، فؤجلت معاملته إلى اليوم التالي أو إلى حين عودة الموظف من إجازته، وذاك ينتظر المدير حتى يصل المكتب، وآخر ضاع ملفه وعليه أن يبدأ إجراءات المعاملة من جديد.     

    

تدخل سيدة جميلة أحد المكاتب لتتابع إجراءات معاملة لها، تشرئب الأعناق، ويكثر المتطوعون للمساعدة، تصل إلى الموظف الذي ستجري عنده الخطوة الأولى من المعاملة، يسارع أحدهم إلى تقديم كرسي لها، يتفرغ الموظف ويهيء كل حواسه للاهتمام بها؛ يسألها عن رأيها بالطقس والمصعد، ويبحث في ذاكرته عن صديق يعرفه أو لا يعرفه من عائلتها، ثم يحدثها عن حجم العمل المتراكم عليه، وعن إخلاصه منقطع النظير للوظيفة والوطن، ولا بأس من إضافة قصة أو اثنتين عن نضاله وعزته وإبائه.

قد تصغي السيدة ببرود، أو ربما قد تجامله أملا بأن يسرّع بمعاملتها.

 

قريبا من المكتب، تقف سيدة عجوز تحمل أوراقها بانتظار دورها، تُجيل عينيها في المكان، وتعيد النظر إلى أوراقها وتقلبها ثم تتنهد، لا أحد يقدم لها كرسيا، ولا أحد يتطوع لمساعدتها، ربما هي أم شهيد أو زوجة معتقل، أو سيدة عادية تواجه الحياة بكل شجاعة، وربما كانت في الماضي أكثر جمالا من السيدة الجالسة، محط أنظار الموظفين المحيطين.

 

تُنهي السيدة الجميلة معاملتها وتنهض، يوصلها الموظف للباب، تتقدم السيدة العجوز وتعرض أوراقها له، يتنهد، ثم يحيلها بأدب إلى زميل له ويعدها بأن يأتي في خمس دقائق، تبتسم بطيبة وتقف تنتظره بجانب الكرسي الفارغ الذي كانت تجلس عليه السيدة الجميلة.  

 

 

الردود: 4 »

 إبن الجيران


الجمعة, فبراير 20th, 2009 - في قسم مقالات

 

جمان قنيص

ظريف جدا إبن الجيران وفِتِح وسابق سنه ما شاء الله عليه، طالع لأمّه، يعيش معي معظم ساعات النهار، مع أنه ليس ساكنا في بيتي، لكن، كأنه كذلك.

وجهه أبيض لاصع، أقصد ناصع، وجسمه ممتلئ قليلا يُذكّر بلِِيّة الخاروف، نادرا ما يبدو سعيدا، فملامحه تعطي الانطباع بأنه جاهز للبكاء في أي لحظة.

  

كل يوم أفيق على صوته الحنون وهو ينهق، أقصد ينهج بالبكاء لأنه لا يحب الذهاب إلى المدرسة، مع أنه نشيط وذكي ومتميز حسبما تقول أمه. غالبا ما تفلح جهود والدية بإقناعه بالذهاب للمدرسة تحت ضغط زامور سائق الباص الذي يبدو وكأنه يخسر شيئا ثمينا إن لم يأخذ معه ذلك الظريف. ويكون ذلك الزامور طبعا كفيلا بإيقاظ عدد من الجيران بينهم انا.

 

يعود صاحبنا من المدرسة يشحط حقيبته على الأرض، وضجر الدنيا كله باديا عليه، يبدأ بالنداء بذات الدرجة من الحنان التي أسمعَها للجيران صباحا، يُرفق النداءَ بركلات قوية لباب بيته وبيت جيرانه كفيلة بإلغاء أي فكرة لقيلولة الظهيرة، وقد تتكرر الركلات بعد أن يدخل البيت، لأنه، يحرسه الله، عصبه قوي وشجاع جدا، فقط داخل جدران المنزل، فكثيرا ما يعود إلى البيت “ماكل قتلة ومفرق على من حوله”، وذلك من قلة أدب الأطفال الآخرين طبعا، فهو من كثرة أدبه لا يقوى على استرجاع قلمه أو دفتره، ويفضل أن يأكل القتْلة على أن يضرب الآخرين.

 

الدخول إلى عالم الطفولة الجميل يتحقق فعلا بزيارة ميمونة قد تقوم بها والدته، فبمجرد وصولها مع نجلها، يبدأ الأخير باستكشاف المنزل على طريقة ضباط الشرطة الذين يبحثون عن دليلٍ أخفاه سارق محترف، فلا جارورا تغفل عنه تلك اليدان البضتان، ولا مزهرية تُستثنى من التفتيش، بل إن كماليات المنزل يجب أن تخضع كلها للفحص الدقيق، تمثالٌ على شكل حصان يجب أن يمتطيه الفارس الرشيق، ولا بد أن يُقطع أي حديث ليُشجع ويُصفق له، لأن نفسيته قد تتعب إن شعر بالإهمال، وكذلك الحال بالنسبة لأي امتعاض جراء سكب أي مشروب على المقاعد أو السجاد، حتى لو كان يشربه وهو يتلوى، أو يتلهى بأمور أخرى.

 

كل ذلك لا يُظهر ذكاء الولد وفطنته، فهذان الأمران يتجليان حقا عندما يمسك الموبايل الذي يشبه موبايل والده، ويبدأ بإبراز مواهبه التقنية، فهو يعرف أن الموبايل يلتقط صورا، وأن فيه رنات متعددة، وهذا دليل على ذكاء منقطع النظير، وهو ما تحاول والدته إقناع صاحبة الموبايل به إذا ما حاولَت المسكينة استرجاعه، ولا بد لأينشتاين هذا الزمان أن يكرر محاولاته حتى يُفلح بإسماع إحدى الرنات أو التقاط صورة، الأمر الذي سيؤدي إلى أن يكشف ثغرُه الجميل عن ابتسامة جذابة تُظهر القليل من الأسنان وكمية كبيرة من الريالة.

وعندما تنتهي زيارته اللطيفة بحفلة من البكاء المرافقة للَكمات يُسددها لوالدته التي قد تنهض قبل انتهاء قهوة مع “ستين سلامة”، لا ينسى أن يصحب معه إحدى التحف التي أعجبته، والتي ربما تكون هدية من شخص عزيز، أو ذكرى من بلد بعيد.     

المهم أنه غادر وانتهت حالة الرعب التي ملأ بها البيت، وبينما أنا أفقل باب البيت يُلح علي سؤال أدعو الله أن لا آثم إن سألته؛ هل تنطبق على إبن الجيران هذا الآية الكريمة القائلة (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)!

 

الردود: 5 »

 الطفل الشهيد ذو البدلة الحمراء


الأربعاء, يناير 21st, 2009 - في قسم مقالات

-align: justify; text-kashida: 0%;” dir=”rtl”>

جمان قنيص

 

 

 

لم تمزّق جسدَه القذائفُ والقنابلُ كما الكثير من الأطفال الشهداء في غزة، بل كان يرتدي بدلة حمراء زاهية، كان يبدو وديعا وهادئا، تماما كالظبي الذي ينام وعيناه شبه مفتوحتين، يطل بؤبؤاهما الأسودان من بين أهدابه الطويلة الكثيفة الغارقة في بشرة حنطية ناعمة.

جيء به إلى مستشفى الشفاء يوم القصف الذي استهدف منزل نزار ريان، فَتَح الطبيب عينيه أمام الكاميرات، وتفقّدَهما، فانسدل الجفنان من جديد، وبقيتا شبه مفتوحتين، الطفل شهيد…

ما اسمه يا ترى؟ ربما محمد، فهذا الاسم هو الأكثر شيوعا في عالمنا العربي. ماذا تُراه كان يفعل عندما قَصفت طائرات الـ”إف 16″ منزل ريان؟ ربما كان ينظر إلى السماء، ربما رفع يده الصغيرة ليلوح إلى الطائرة، أو ربما لم يعرف بعد ما هي الطائرات!

بل ربما يعرف، وكان يحاول فرِحا أن يلفظ كلمة “طيارة”، وقد يكون تلقى لعبة طائرة كهدية، تماما كما يُهدى كثيرون ممن هم في مثل سنه ويشبهونه، ويحملون ذات الاسم، ويلبسون البدلات الحمراء كتلك التي كان يلبسها، ويتكلمون اللغة ذاتها التي كان سيتكلمها.. لو بقي حيًّا.

ماذا كان سيحدث لو لم يُقتل؟ ربما لو عاش وكبر بعد أن تنتهي الحرب ويُرفع الحصار، لقُسم له أن يركب طائرة حقيقية تشبه تلك التي لا يزال يلعب بها مَن هم في مثل سنه، وليست كتلك التي قتلته. أو ربما كان يمكن أن يكون قبطان طائرة فلسطينية يقلع بها من مطار غزة، فيحط في بلاد الشرق والغرب، وينقل عروسين إلى جزيرة هادئة لقضاء شهر العسل، وطالب علم مُقبلا على الحياة، وحجاجا إلى مكة وآخرين إلى بيت لحم، ثم يعود سالما إلى والدته، يطل عليها بطلعتِه البهية، فيمتلئ قلبها فرحا.

لكن محمد، أو ربما.. أحمد.. أو خالد.. دُفن في قبر صغير وهو لا يزال مرتديا بذلته الحمراء النظيفة، وعيناه لا تزالان شبه مفتوحتين، مثل ظبي صغير. لكن يده لم تعد تقوى على التلويح للطائرة التي لا تزال تجوب سماء مدينته، كما أنه لن يقوى أبدا على التلويح للطائرات التي ستُقلع يوما من مطار غزة. 

 

الردود: 2 »

 تحت الركام


الخميس, يناير 15th, 2009 - في قسم مقالات

جمان قنيص

يصحو من غفوته، بالكاد يستطيع أن يتنفس بسبب الركام الجاثم على ظهره، حاول أن يسحب جسده فلم يفلح، وشعر بألم شديد في نصفه السفلي، بقي منبطحا على بطنه وركام منزله يكاد يخنقه. نظر من شق صغير كوّنه الطوب حوله، فرأى من خلاله شارع الحي وبعض بيوت جيرانه.

حاول تذكر ما جرى… كان آخر ما سمعه صوت انفجار قوي ثم انهيار السقف والجدران، ففهم أن قذيفةً سقطت على منزله ودمرته فوق رأسه.

ينظر من الشق، يجد الهدوء يلف المكان، ثم يبدده صوت سيارة إسعاف تمر في الشارع: “لا بد أنها آتية لانتشالي”. وفجأة زلزلت الأرض بفعل قذيفة أخرى، فسقطت طوبة أخرى زادت من ألم ساقيه، فشعر بشيء رطب يتسلل من تحته، مد يده فإذا هي بقعة دم، فساقاه تنزفان. تعود سيارة الإسعاف من ذات الشارع مسرعة وكأنها تسابق الريح، تختفي ثم يغيب صوتها في الأفق، فيوقن أنها لم تكن قادمة إليه.

“لماذا لم يعرفوا أني هنا؟ أين أمي؟ آه أذكر أنها خرجت مع أختي الصغيرة نور لتحضر الطحين كي تصنع الخبز الذي يشغلنا عن القصف الليلي. بالتأكيد ستأتي لتبحث عني، لأنها تعرف أني وحدي في البيت”.

يرسل نظره من الشق: “سأناديها عندما تقترب من الركام، لا بد أنها في الطريق الآن. أذكُر أنها كانت ترتدي ثوبها المزركش وتغطي شعرها بمنديل بني، سأبدأ بالمناداة بمجرد أن أرى طرف ثوبها”.

من الشق، وعلى الطرف الأيسر من الركام، يلمح دراجته التي كان يتباهي بها بين رفاقه في أزقة المخيم: “يبدو أنها تأثرت بسقوط الطوب عليها، أخشى أن تكون البدّالة قد عطبت، ماذا سأفعل عندها؟ سأصلحها عند جارنا أبو علي… لكني خاصمتُ ابنه حسام قبل بدء الحرب بسبب عدم رضاه عن نتيجة المباراة التي لعبناها في ساحة المخيم… اشتقتُ لحسام، نحن دائما نتخاصم ثم نتصالح، سأتصالح معه عندما أخرج من هنا، ولن أتخاصم معه”.

يسمع صوت القذائف من بعيد، ويرى أعمدة الدخان تتصاعد في الأفق، تلونها الشمس بلون برتقالي وتُحيل البحر إلى لآلئ متوهجة كالحمم التي تُطلقها الطائرات في السماء. يتذكرُ البحرَ الذي كثيرا ما بنى من رمله بيتا لنور، وغطس مع أصدقائه وراء أسماكه الفضية: “في الصيف المقبل، سيُطلق سراح أبي، سأشتري شبكة أصيد بها أسماكا كثيرة.. أشعر بعطش وبرد شديدين، بقعة الدم تزحف وتبلل كل ملابسي.. هبط الليل ولم تأتِ أمي بعد، لماذا لم تأتِ؟ هل اعتَقَدت أني تمكنتُ من النجاة؟ ثوبها المزركش لن يكون واضحا في العتمة التي تلف المخيم.. البرد شديد جدا”.

يصحو مرة أخرى على أصوات القذائف، الليل قد هبط تماما، لكن القمر يطل عليه من الشق الصغير بأشعته الفضية، يحدق به وينير الشارع الذي كان يضج بصوته ذات يوم: “ما أجمَلَك، هل  رفضتَ أن تغرق غزة في الظلام؟ يُذكرني شكلك المستدير وأنت في وسط السماء بليالي الصيف الحارة التي نشتم فيها رائحة البحر في كل مكان. أذكرك كيف كنت تُنير لنا سطح البيت وأنا ألعب مع أختي وأبناء الأعمام والجيران، كنا نلعب حتى ينال منا التعب، ثم نلتصق بالكبار ونستمع إلى أحاديثهم حتى ننام على أصواتهم وهم يتسامرون وأنت تستمع إليهم. أين هم الآن؟ هل يريدون أن يعاقبوني بسبب شقاوتي؟ ماذا أفعل؟ هم يسمونها شقاوة لكني أسميها لعبا، أحب أن ألعبَ وأقفزَ وأشد ضفيرتَي نور. لكن.. أعلن التوبة، سأكف عن شقاواتي كلها، فقط أخرجوني من هنا.. حتى أستاذ الرياضيات، لن أشاكسه بعد اليوم.. فقط أريد أن أبقى معكم”.

 

يصحو على صوت العصافير تزقزق قرب الشق بصوت عالٍ وتضرب بأجنحتها وكأنها تطلب النجدة، يحاول أن يرفع رأسه، يشتم رائحة الدم، لقد وصلت بركة الدم إلى وجهه، وساقاه لا يشعر بهما.. تبدو العصافير ثائرة جدا: “ماذا تريدين أيتها العصافير؟ لو كنتِ تتحدثين لغة البشر، لطلبت منكِ أن تذهبي لأمي وتقولي لها إن ابنكِ تحت ركام البيت، وإنه يعدكِ بأن يكف عن شقاوته. لكنكِ لا تتحدثين لغة البشر، لو كنتِ تتحدثينها لطلبت منك أن تقولي لها إني لا أحب رائحة الدم، وإني لم ألطخ ملابسي بإرادتي، فدمي هو الذي زحف إليها… أم أنكِ أيضا غاضبة مني أيتها العصافير؟ ألأني كنت أصطادك؟ أنا أعتذر لكِ، أرجوكِ سامحيني.. فقد توقفتُ عن صيدكِ منذ أن فَتَح جارنا عصام محل الإنترنت الذي تعرفتُ من خلاله على أصدقاء كثيرين في رام الله والقدس وحيفا والسعودية والكويت.. آه صحيح.. اليوم تبدأ مباريات كأس الخليج، وقد تعاهدنا أنا وصديقي جاسم من الإمارات أن نحضر المباراة بين الإمارات والسعودية. كما سيلعب فريقي المفضل ريال مدريد مع مايوركا.. لو أن أمي تأتي الآن؟ من المؤكد أنها ستأخذني للمستشفى، قد أبقى هناك عدة أيام.. لا يهم.. سيكون بإمكاني متابعة المباريات، لأن غُرف المستشفى فيها تلفزيونات، رأيتها عندما زرت أمي بعد أن ولدت أختي نور.. يومها أكلت كل الحلوى التي كانت تحتفظ بها أمي للمهنئين، لو أني أحصل على حبة واحدة الآن.. لو أني أشرب شربة ماء.. لو أني أستطيع أن أتنفس فقط…

تنهمر المزيد من القذائف، وسيارات الإسعاف تجوب الشوارع.. تدلهمّ السماء فيسقط مطر غزير يختلط بالدخان الأسود والأبيض، ويحجب رؤية البحر من شق الركام، وتغيب الشمس مبكرا، ويهبط الليل، ويتوارى القمر حزنا وراء السحاب، ويفوز ريال مدريد وتفوز الإمارات.

وفي الصباح، تطل الشمس خجولة من وراء البحر، تلوّن سحب الدخان، وترسل أشعتها إلى الشق الذي عادت إليه العصافير، وقد ثقلت أجنحتها، تحوم وتزقزق بهدوء لئلا توقظ النائم الصغير، ثم تطير إلى ذلك الشارع القريب وتحلق فوق جنازة لنَعْشٍ كبير يطل منه ثوب مزركش وآخر صغير تطل منه ضفيرتان صغيرتان.                 

رد واحد »

 مسؤولية قوة الاحتلال على معبر رفح


الأثنين, يناير 5th, 2009 - في قسم مقالات

 

جمان قنيص

رَفَضَ الرئيس المصري حسني مبارك فتح المعبر لأنه يريد “أن يضع إسرائيل أمام مسؤوليتها القانونية والسياسية كقوة احتلال” كما أعلن قبل يومين.

لم يُفتح المعبر… فمُنع جرحى المذبحة من اجتيازه، وحُرموا من أن تُضمّد جراحهم في مشافي يتوفر فيها الشاش والقطن على الأقل، كما بقيت الأدوية الأوّلية التي جاد بها بعض أحياء العالم العربي مكدسة في الشاحنات بانتظار المرور من قطارة ذلك المعبر المرهون بـ “مسؤوليات قوة الاحتلال”.

في القانون الدولي الإنساني، إذا اعتُبر القطاع إقليما محتلا، فإنه على إسرائيل وفقا للمادة 21 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب “احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لهذا النقل”. كما أنه يتوجب عليها بموجب المادة 23 من ذات الاتفاقية أن تكفل “حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصرا إلى المدنيين من الطرف الآخر، حتى لو كان خصما”. ويحمل البند الثاني من المادة 70 من البروتوكول الأول الملحق باتفاقية جنيف الرابعة ذات المعنى، إذ يفرض على أطراف النزاع السماح وتسهيل “المرور السريع وبدون عرقلة لجميع إرساليات الغوث لأولئك الأشخاص كالأطفال وأولات الأحمال وحالات الوضع والمراضعات الذين هم أهل لأن يلقوا معاملة مفضلة أو حماية خاصة وفقا للاتفاقية الرابعة أو لهذا البروتوكول”.  

ويكون على مصر بموجب المادة 14 من معاهدة لاهاي بشأن حقوق وواجبات الدولة المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب البرية، السماح “للمرضى والجرحى من الجيوش المقاتلة بعبور ارضها، شرط ألا تحمل القطارات التي تنقلهم مقاتلين او معدات حربية”.

هذه النصوص مُلزمة قانونا لإسرائيل كمحتل الحربي، وللدول كمصر، والأجسام السياسية كحماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، فهي عُرف دولي وتعلو فوق الاتفاقات السياسية كاتفاق المعابر الموقع في تشرين الثاني 2005 الذي لم يعد قائما مثلا.

من الجدير ذكره أنه يوجد في القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان نصوص كثيرة تحمي المدنيين زمن الحرب يمكن دعوة إسرائيل لاحترامها والالتزام المطلق بها، كتلك التي تمنع قصف المناطق السكنية والمستشفيات، ودور العبادة وسيارات الإسعاف والمدارس، واستعمال الأسلحة غير التقليدية ضدهم،…

خصوصا وأنه لا يوجد أي نص يقول إن إسرائيل فوق أي قانون.    

 

 

 

 

 

رد واحد »

 الفورد في رام الله


الجمعة, ديسمبر 26th, 2008 - في قسم مقالات

 

معظم سيارات السرفيس التي تربط بين أحياء رام الله هي من نوع فورد (ميني باص) وهي ماركة عالمية فاخرة، لا بد أن العاملين في مصانعها لم يوفروا أي جهد كي تكون هذه السيارة متميزة، لكن، هل يعرف هؤلاء مزايا الفورد في رام الله؟

تُدهن السيارات غالبا بلون أصفر أو برتقالي، كشرط لعملها على أحد خطوط السرفيس، وبمجرد أن يبدأ العمل بها تتحول إلى أسهم تجوب الشوارع، تشبه المذنبات التي تظهر في ليالي الصيف للحظات وتختفي من شدة سرعتها، لكن كيف يركبها الناس؟

يكفي أن تطأ قدماك الشارعَ كي تعرف الإجابة، فبعد لحظات، سيقف أمامك فورد حتى لو لم تشر له بيدك، وحتى لو كانت هيئتك لا تدل على أنك تريد الركوب، سيوقفه السائق بأي ثمن، كأن يصنع أخدودا في الأرض، وسيبدأ بالسير بموازاتك، وستكون هذه فرصة نادرة لرؤية فورد يسير ببطء، كما سيكون لك شرف التعرف على “الكابتن”، لأنه سيُخرج رأسه من الشباك ويسألك: طالع؟

الويل لك إن تجاهلته، والويل أيضا إن أجبته بلا، فإنك ستُرمى بنظرات الحنق والتوعد، لكن لا تقلق، فالأمر لن يطول، وسرعان ما ستجد نفسك في غمامة من الغبار يتحول الفورد فيها إلى سهم من جديد وينطلق ثم يختفي في لحظات.

وإذا ما كان الله قد أنعم عليك ببصر يشبه ذلك الذي كانت تتمتع به زرقاء اليمامة، أنظر نحوه، ستلمح ظلالا داخله، هي رؤوس بشر يركبونه.

لهؤلاء الركاب قصة أخرى، فما إن يضَعَ الواحد منهم قدمه على عتبة الفورد الذي ينطلق في ذات اللحظة، حتى يبدأ تلقائيا باسترجاع دروس الفيزياء كالجاذبية الأرضية والطاقة الكامنة والقصور الذاتي، ويكون محظوظا إن تمكن من التشبث وتثبيت جزء من مؤخرته على أقرب مقعد فارغ، ليضمن بعض الثبات في المرحلة التالية، مرحلة التأرجح التي يُطوّح فيها يمينا ويسارا ويُصعد به إلى أعلى ويعاد إلى أسفل، وسيكون الحظ حليفه إذا جلس بجانبه شخص سمين لأنه سيلصقه بالمقعد، لكن عليه تحمل ضيق التنفس الذي سيتسبب به ذلك الجار، وسيكون الحال أسوأ إن كانت رائحة العرق تفوح منه.

رغم كل ذلك، لركوب الفوردات فوائد صحية، فباستثناء صعود ضغط الدم والسكري أو هبوطهما، وباستثناء حالة العقم التي قد يسببها الخوف من الوقوف المفاجئ والسرعة الفائقة، فإن ركوب الفورد يساعد في تسهيل الولادة، وفي إتمام عملية الهضم، خصوصا إذا كان الطريق مليئا بالمطبات، كما يعين الراغبين في اتباع حمية غذائية على إنقاص وزنهم، لأنهم سيصلون البيت وقد فقدوا أي شهية للطعام، كما أن الفوردات توفر للفقراء فرصة ركوب الملاهي، هذا بالإضافة إلى الثواب العظيم الذي يناله سائق الفورد كلما ذكر الركاب الشهادتين، ولهج لسانهم بذكر الله، وتذكروا قرب الأجل، واستعاذوا من موت الفُجاءة.        

       

 

 

 

 

رد واحد »

 البيئة التشريعية لحرية التعبير في فلسطين


السبت, نوفمبر 15th, 2008 - في قسم دراسات

 

جمان قنيص
يرتبط النظام السياسي الديمقراطي والحريات بعلاقة تشبه إلى حد بعيد تلك التي تربط بين الدجاجة والبيضة، فبصرف النظر عن الذي يأتي أولا، يُفضي وجود أحدهما في الوضع الطبيعي إلى جلب الآخر، فالنظام السياسي الديمقراطي يُتوقع أن “يضع بيض” الحريات التي ستفقس بدورها عن نظام سياسي يضمن بقاءها فيما بعد، وهكذا. وقد تحدث استثناءات بأن يكون “بيض الحريات” فاسدا أو أن تكون الدجاجة غير بيوض.
وبذلك فإن النظرة للحريات وأهميتها، والنطاق القانوني الذي يعالجها، تتحدد ملامحهما حسب الإطار السياسي السائد.

حرية التعبير في التشريعات والأنظمة السياسية:
تكون حرية التعبير في أغلب الأنظمة السياسية الملكية وغير الديمقراطية، وتلك التي تسير وفق الأولويات التنموية أو النظم الاشتراكية، مقتصرة على النخب المؤيدة للنظام الحاكم، وتُفرض الرقابة على هذه الحرية بموجب قوانين للنشر والطباعة، وتُمنح تراخيص امتلاك وسائل الإعلام وفق هذه القوانين أيضًا، وإذا ما مُنحت مساحة للتعبير عن الآراء المختلفة، فإنها تكون بالقدر الذي لا يضر بالسلطة القائمة من منطلق أنها الأدرى بمصلحة المواطنين، لذلك يختار القائمون على هذه السلطة عادة المحررين المسؤولين ومديري الصحف من المؤيدين لها، والذين يعملون وفق توجيهاتها، خصوصا فيما يتعلق بمضمون المواد الإعلامية التي تُبث وتُنشر، ويُحظر على وسائل الإعلام هنا، التعرض للقيم السياسية والأخلاقية السائدة، وُيعتبر أي انحراف عنها جريمة يُعاقب عليها القانون.
وقد بدأت هذه الأنماط من الرقابة تفقد فاعليتها بسبب التطور التكنولوجي السريع، وازدياد الاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته، وبالتالي أصبحت الرقابة في نظر الكثيرين، انتهاكاً لحق التعبير نفسه، ولمبدأ المساواة في التمتع بالحريات المختلفة، وشكلاً من أشكال الاستهتار بأهلية المواطن في اتخاذ القرار وتحديد حاجاته، وتعارضا مع حكم الذات والحاجات الإنسانية والاجتماعية، بالإضافة إلى اعتبار الرقابة على التعبير أحد العوامل التي تساعد في توفير بيئة خصبة لنمو الفساد وعدم محاسبة الفاسدين، ومن ثم إعاقة التنمية والتطور.
أما في النظام السياسي الليبرالي، فقد انصبت الدعوات على ضرورة كف يد السلطات تماماً عن حرية التعبير، وعدم فرض أي قيود عليها تحت أي ظرف كان، وذلك انطلاقاً من “نظرية الحق المطلق” للتعبير، التي تعني أن حرية التعبير حق مطلق لا يجوز فرض أي قيود عليه أو تنظيمه بموجب أي تشريع، لكن المؤمنين بنظرية الحق المطلق بهذه الصورة قليلون، وسرعان ما تراجع كثير منهم عن إيمانهم بها بهذا الشكل، عندما عجزت هذه النظرية عن حل الإشكاليات الكثيرة التي نشأت عن إعطاء الحرية والحصانة المطلقة لكل أنواع الكلام، فأصبحت السلطات مثلا، غير قادرة على محاكمة المحرضين بشكل مباشر على ارتكاب جرائم القتل، أو ترويج الكلام البذيء المخل بالحياء والقيم الاجتماعية لأن هؤلاء المحرضين محميون بموجب القوانين المستوحاة من هذه النظرية.
وقد اتجه دعاة الحرية المطلقة للتعبير بعد نشوء إشكاليات عن إعطاء الحرية المطلقة لكل أنواع التعبير، إلى الدعوة لإدخال ما سموه “صمامات أمان” على التعبير لضبط بعض أنواعه، الأمر الذي يعني العودة إلى تحديد حرية التعبير، ونوع الكلام المحمي.
رغم أن الأنظمة السياسية الليبرالية واجهت إشكاليات عند محاولة تطبيق نمط الحرية المطلقة للتعبير، إلا أن الفضل يعود لهذا النمط في تثبيت شرعية الحق المطلق في حماية التعبير وتقليص شرعية القيود المفروضة عليه إلى حد كبير، ولتجنب هذه الإشكاليات والسلبيات، تم اللجوء إلى إجراء توازن بين مصلحة التعبير من جهة، والقيم الاجتماعية الأخرى من جهة ثانية، ليُتخذ القرار بهذا الشأن بعد ذلك طبقًا لتحليل مباشر للتكلفة وللفائدة العائدتين من كلا الخيارين، وتكون المحاكم الخاصة والعامة هي الجهة التي تقيّم ذلك وليس الحكومة.
لكن المشكلة في هكذا التوازن، هي أن الوزن المخصص للتعبير يتغير صعودًا وهبوطًا، تبعًا للظروف المحيطة(1)، أي أن تحديد التعبير يخضع للظروف المحيطة به وللاعتبارات الاجتماعية والتاريخية للمجتمع، وهذا يؤدي إلى تفاوت في الحكم على نفس الكلام في مكان آخر وبيئة أخرى، كما أن إجراء هكذا موازنة، يعيد مصير حرية التعبير ليد الجهات التي تتحكم بتحديد الكلام الذي يجب تقييده، والتي تكون عادة الجهات الحكومية أو أذرعها، وهي الجهات التي لديها ميل إلى توسيع دائرة الكلام الذي يُعتبر مؤذيًا ويهدد الأمن القومي أو القيم الاجتماعية السائدة، وهذا بحد ذاته مشكلة، فكيفية التوفيق بين حرية التعبير والقيم الاجتماعية مسألة تتفاوت أهميتها وطبيعتها من مجتمع لآخر، وتحتاج إلى فهم عميق لثقافة المجتمع وسياسته وقوانينه وتاريخه، فالقانون الأميركي مثلاً، يحمي أشكال الكلام الذي يُعبر عن الكراهية والعنصرية، شرط ألا يصل إلى أعمال عنف، أما القوانين في أوروبا، فهي أكثر حساسية تجاه هذا الكلام، لا سيما في مواضيع معينة، ولأسباب تاريخية، كمسألة المحرقة مثلا(2)، ومن هنا برزت حاجة الدول الليبرالية لأنظمة رقابة قائمة على المسؤولية الاجتماعية، يتم التوصل إليها نتيجة التفاوض والحوار المستمر بين الجهاز السياسي ووسائل الإعلام، وتفرض تماهيًا بين الصالح العام وحرية التعبير، وتقوم السلطات القضائية بالبت في أمور أي خلاف.
ولهذا تقوم الأنظمة السياسية الديمقراطية، كالسويد مثلا، بتبني حرية التعبير في وسائل الإعلام، لكن ليس بدرجة مطلقة، بل وفق معايير مهنية تتماشى مع التزامات المجتمع، مثل الدقة والموضوعية والتوازن(3)، ويكون تنظيم مهنة الصحافة ذاتياً وليس من قبل الدولة، كما يكون الرأي العام هو الرقيب على الصحفيين وسلوكهم المهني، ويكون هؤلاء الصحفيون مسؤولين أمام المجتمع(4)، ويحتاج هذا الأمر أن لا تكف الحكومة يدها عن حرية التعبير فقط، بل عليها أيضاً أن تحميها وتحافظ عليها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على ضمانها وممارستها بكفاءة داخل المجتمع(5).

حرية التعبير في التشريعات والنظام السياسي في فلسطين:
لحرية التعبير في فلسطين وضع خاص، فالنظام السياسي فيها ناشئ ولزج ومتقلب باستمرار، هذا فضلا عن أنه غير مستقل، الأمر الذي يُخفض سقف الحريات التي يبقى وضعها مع ذلك أفضل بكثير مما هو الحال عليه في كثير من الدول العربية(6).  فقد أبدت السلطة الوطنية الفلسطينية مرونة نحو امتلاك وسائل إعلام خاصة مقارنة بغيرها من الدول العربية، بدليل وجود عدد كبير من  الاذاعات والتلفزيونات الخاصة في الضفة وغزة(7).
وجدت السلطة الوطنية أمامها إرثًا باليًا من القوانين التي خلّفتها الأنظمة السياسية التي حكمت فلسطين وأثرت بشكل أو بآخر على البيئة التشريعية لقوانين الإعلام، ويمكن التمييز هنا بين مراحلتين:
 1- ما قبل السلطة الوطنية الفلسطينية:
نعني بها هنا الفترة التي تبدأ من العهد العثماني وتنتهي بانسحاب إسرائيل من جزء من الأراضي الفلسطينية بموجب اتفاقات أوسلو عام 1994، وبما أنها فترة شهدت تعاقب أنظمة سياسية مختلفة، فلا عجب إذا في أن تكون القوانين التي أُديرت الأراضي الفلسطينية بموجبها من قبل تلك الأنظمة، مُجحِفة بكثير من حقوق المواطنين فيها، لأن تلك القوانين كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى إخضاع الفلسطينيين للإدارات القائمة، ولاستمرار سيطرة هذه الإدارات وبقائها.
وقد اعتمدت الإمبراطورية العثمانية (1517-1917) في بدايتها على الفقه الإسلامي كمصدر للتشريع، ثم وضعت قوانينها فيما يُعرف باسم (مجلة العدلية) التي احتوت على 1851 مادة أعطت كلها صلاحيات واسعة للسلطات كي تتحكم بالحريات المختلفة، ومن بينها حرية التعبير.
أول قانون ينظم حرية التعبير في فلسطين هو قانون المطبوعات الذي أصدره الانتداب البريطاني في 19/1/1933، وأعطى صلاحيات واسعة للمندوب السامي لحرمان المواطنين من الحق في التعبير في أوقات معينة(8)،  ثم أصدر الانتداب البريطاني عام 1936، قانون العقوبات الذي شدد القيود المفروضة على هذا الحق، ليأتي قانون الطوارئ بعد ذلك بتسعة أعوام (عام 45) ويحظر أي مادة إعلامية تضر أو يُحتمل أن تضر بالسلامة العامة أو النظام، وبقي هذا القانون ساريًا حتى عام 48، ليستمر العمل به بعد ذلك في قطاع غزة بموجب أمر صدر من الحاكم الإداري المصري في 15/5/1948، ثم الأمر رقم 22 الخاص بالرقابة، ليأتي بعد ذلك القانون الأساسي لغزة عام 55، ثم النظام الدستوري لقطاع غزة عام 62، وكل هذه القوانين لم تكن أقل تشددا من قانون الطوارئ البريطاني(9).
أما الضفة الغربية التي ضمتها المملكة الأردنية الهاشمية عام 1952، فقد سرى عليها الدستور الأردني لعام 52 الذي كفل حرية التعبير في المادة 15، لكنه ربطها بـ “حدود القانون”، ثم طُبق القانون رقم 16 الذي فرض قيودًا مشددة على حرية التعبير، تلاه قانون الصحافة والمطبوعات الذي لم يكن أفضل منه(10).
وعندما جاء الاحتلال الإسرائيلي سعى إلى تثبيت الوضع على هذا الحال في الضفة وغزة، وأضاف إليه مزيدًا من الأوامر العسكرية التي تُحكم السيطرة على حياة الفلسطينيين وتقيد حرياتهم(11).
وقد كانت إسرائيل تمارس رقابة عبر مجموعة من الآليات القانونية غير الواضحة التي تهدف إلى “عدم تمكين الصحفيين والناشرين الفلسطينيين من الحصول على قدر أكبر من اللازم من الضمانات القانونية”(12).
فقد أصدر القائد العسكري الأمر رقم 101 لعام 1967، والمتعلق بحظر أعمال التحريض والدعاية العدائية ومُنع بموجبه تجمع عشرة أشخاص بغية البحث في مواضيع سياسية، أو رفع أو تثبيت أو عرض أعلام أو إشارات ذات طابع سياسي، وطبع ونشر أية إعلانات أو صور أو كراسات لها مدلول سياسي إلا بموجب ترخيص صادر عن الحاكم العسكري، كما حُظرت بموجب هذا الأمر أيُّ محاولة للأشخاص للتأثير على الرأي العام بصورة من شأنها أن تؤدي إلى المساس بالأمن والنظام العامّين، وفُرضت غرامة مالية على من يخالف هذا الأمر(13).
وكان لزاما على الناشرين إحضار المواد الإعلامية قبل نشرها إلى مكتب الرقابة الإسرائيلي للمصادقة عليها(14)، هذا بالإضافة إلى قيود أخرى صارمة كانت تُفرض على تراخيص الجرائد وتوزيعها، عدا عن سجن الصحفيين وترحيلهم ووضعهم تحت الإقامة الجبرية(15).
 
2- ما بعد السلطة الوطنية الفلسطينية:
رسَمَت اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة في 13/9/1993، واتفاقية غزة أريحا الموقعة في 14/9/1993 ملامح الإطار السياسيي للضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك النطاق القانوني فيهما.
وقد احتفظت إسرائيلي بموجب اتفاق غزة أريحا بصلاحيات الولاية القضائية والتشريع، من خلال حق الاعتراض على أي تشريع تسنه السلطة الفلسطينية حتى لو كان يتعلق بالفلسطينيين، ومن خلال الإبقاء على التشريعات العسكرية الصادرة عن الاحتلال وعدم إلغائها أو تعديلها(16)، فقد نص البند الرابع من المادة الثالثة للاتفاقية على أن “انسحاب الحكم العسكري لن يمنعه من مواصلة ممارسة الصلاحيات والمسؤوليات المحددة في الاتفاقية”، ثم حُددت هذه الصلاحيات والمسؤوليات في البند الثالث من المادة الخامسة في الاتفاقية ذاتها بأنها الصلاحيات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
ونظرا لاستمرار الحكم العسكري الإسرائيلي بممارسة هذه الصلاحيات المهمة، ولأن إسرائيل لم تنقلها لأي مؤسسة حاكمة بشكل كامل، فإن إسرائيل لا تزال تتحمل مسؤولية دولية تحددها مبادئ القانون الدولي الإنساني (لاهاي لعام 1907 وجنيف لعام 1949)، بصفتها محتلا حربيا، الأمر الذي فرض وضعًا قانونيًا فريدا من نوعه(17)، وهذا يعني أيضا أن على السلطة الوطنية أن تتحمل مسؤولية تجاه حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما يتناسب مع الصلاحيات المنوطة بها، ففي المادة 14 من اتفاقية غزة أريحا أولا الموقعة في القاهرة في 14/5/1994، تعهد الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي بـ “الأخذ بعين الاعتبار الأعراف والمبادئ المقبولة دوليا، ومبادئ حقوق الإنسان وحكم القانون”، أثناء ممارستهما سلطاتهما.
وحتى لو لم ترد هذه المادة، فالسلطة ملزمة بمراعاة قانون حقوق الإنسان الذي أصبح مُلزما بوصفه عُرفا دوليا لكل الدول والسلطات والأجسام التي لا تتمتع بالشخصية القانونية للدولة، كالسلطة الوطنية، وكذلك الفصائل والمنظمات والأحزاب المعارضة، وليس لإسرائيل حق في إرغام السلطة على أن تتصرف على نحو مخالف لمبادئ حقوق الإنسان حتى لو ورد ما يشير إلى ذلك في أي اتفاقية سياسية.
كما ورد في المادة 12 من الاتفاقية ذاتها أن السلطة الوطنية وإسرائيل يجب أن تضبطا وسائل الإعلام من خلال منع التحريض والدعاية العدائية، وأن تتخذا إجراءات قانونية لتحقيق ذلك، مع الإشارة إلى ضرورة عدم الانحراف عن مبدأ حرية الرأي والتعبير: “ستسعى إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى تعزيز التفاهم المشترك والتسامح، وسوف تمتنعان عن التحريض، بما في ذلك الدعاية العدائية ضد الجانب الآخر، لمنع هذا التحريض من قبل أي منظمات أو مجموعات أو أفراد ضمن منطقة النفوذ القانوني لكل جانب”، وقد استخدمت إسرائيل هذا النص بعد ذلك للضغط على السلطة كي تفرض قيودا على الإعلام الفلسطيني.
اعترضت السلطةَ الوطنية الفلسطينية عند بدئها عملية تقنين التشريعات بعد قيامها على الأراضي الفلسطينية في تموز عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو، عدةُ عقبات حالت دون أن تكون تلك التشريعات متوافقة مع حقوق الإنسان، أهمها احتفاظ إسرائيل بموجب المادة 9 من اتفاق إعلان المبادئ بصلاحيات السيادة الفعلية، وقصر الأمد الزمني الذي كان متاحا لوضع القوانين والتأكد من ملاءمتها للحاجة الفلسطينية، كما كانت عمليات صياغة التشريعات ووضعها تتم من قبل أعضاء المجلس التشريعي أنفسهم الذين كانوا يُمثلون آنذاك منظمة التحرير الفلسطينية فقط وليس غالبية الشعب الفلسطيني، بينما كان يجب أن تقوم بذلك جمعية تأسيسية تُنتخب لهذا الغرض، هذا فضلاً عن التناقض في مصادر التشريع التي تأرجحت بين المصدر العرفي والشرعي والإسلامي والقانون الدولي، كما احتوى المجلس التشريعي على اتجاهات مدنية وعلمانية وإسلامية أثرت على روح القوانين(18).
أما القوانين والتشريعات التي تكفل حرية التعبير في فلسطين منذ قيام السلطة فهي:
1- وثيقة الاستقلال 15/11/1988 التي تضمن حرية الرأي وليس التعبير عنه، إذ جاء فيها أن “دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية ويتمتعون بالمساواة في الحقوق، وتُصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب”.
2- القانون الأساسي المعدل في آذار 2003 الذي تم تعديله بالقراءات الثلاث استنادًا للمادة (111) من القانون الأساسي قبل تعديله، والتي تعطي المجلس التشريعي صلاحية التعديل.
وقد حملت المادة التي تنص على حرية التعبير في القانون الأساسي المعدل الرقم ذاته الذي تحمله المادة التي تكفل حرية التعبير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وهو الرقم 19: “لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”، فنلاحظ أن الإشارة إلى حرية التعبير في القانون الأساسي المعدل كانت عامة وغير موضحة، وربطتها بضرورة “مراعاة أحكام القانون”، كما لا توجد أي إشارة إلى عدم جواز فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام.
3- قانون المطبوعات والنشر الذي صدر في 26/6/1995، أي بعد عام من قيام السلطة، ودخل حيز التنفيذ في 25/7/1995، وهو أول قانون تصدره السلطة حتى قبل انتخابات المجلس التشريعي الأولى، الأمر الذي رأى فيه البعض بارقة خير تدل على اهتمام السلطة بحرية التعبير والإعلام، وتكمن أهمية هذا القانون في أنه جاء ليحل محل اللوائح التي كان معمولا بها سابقا رغم أنه لم يشتمل على نصوص تتعلق بعمل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية(19)، لكن مضمون القانون جاء محتويا على قيود أحبطت ذلك التفاؤل، لما فيه من مواد تقيّد امتلاك وسائل الإعلام الخاصة وتشدد على ضرورة الحصول على تراخيص مسبقة من دائرة المطبوعات والنشر، وقد كفل قانون المطبوعات والنشر حرية الرأي والتعبير لكنه قيدها بـ “حدود القانون” و”إطار الحريات والحقوق والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرمتها”. وهي عبارات تُستغل عادة لتوسيع الهامش المتاح للجهات التنفيذية كي تضيق على الحريات. كما ويمنع هذا القانون نشر “معلومات سرية عن الشرطة وقوات الأمن وأسلحتها أو عتادها أو أماكنها أو تحركاتها”. وتُسند صلاحيات النظر في المخالفات التي تتعلق بالقانون لمحكمة مختصة دون تحديد ماهيتها، ما يترك الإمكانية لأن تكون هذه المحكمة هي محكمة أمن الدولة.
4- مشروع قانون المرئي والمسموع عام 1996 الذي كانت الحاجة له تنبع من خلو قانون المطبوعات والنشر لعام1995 من أية إشارة إلى الإذاعات والتلفزيونات الخاصة والإعلام الإلكتروني، كما لم يتطرق ألبتة للإذاعة والتلفزيون الحكوميين اللذين كانا يعملان منذ قيام السلطة في غياب أي تشريع ينظمهما، إلى أن جاء القانون الأساسي الذي أصبح ساري المفعول في 7/7/2002، بعد المصادقة عليه، وقد كفل هذا القانون في مادته السابعة والعشرين حرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وحظر الرقابة على وسائل الإعلام(20)، ويعزو البعض الاهتمام المتأخر بوضع قانون ينظم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلى نشوء عدد كبير من المحطات الخاصة بعد قيام السلطة(21)، ويظهر ذلك جليا في كثرة المواد التي يخصصها مشروع القانون لمعالجة موضوع ترخيص القنوات التلفزيونية والموجات الإذاعية، وكذلك من خلال تصنيف المؤسسات الإعلامية التي تغطي المحافظات الفلسطينية إلى مؤسسات تبث ما يحتوي على الأخبار والبرامج السياسية، وأخرى لا تبث هذين النوعين من المواد الإعلامية.
وقد كفل مشروع هذا القانون حرية الإعلام المرئي والمسموع ووضعها أيضا في حدود القانون، كما تضمّن قيودًا على حرية التعبير من خلال بعض النصوص الفضفاضة، كذلك الذي يتحدث عن ضرورة “أن تحترم المؤسسات الإعلامية علاقة السلطة الوطنية الفلسطينية مع الدول المجاورة”، وألا تبث “كل ما من شأنه أن يسيء إلى هذه العلاقات أو يؤثر سلبيا على الإجراءات الحكومية لتجسيد الالتزام الفلسطيني بهذه العلاقات”، وكذلك “أي مادة قد تؤثر سلبا على عملية السلام”.
وقد بقي مشروع المرئي والمسموع دون إقرار بصورة نهائية من المجلس التشريعي رغم مرور عدة سنوات على صياغته.
في المقابل، تشكل حراكٌ من قبل جهات حقوقية ومهنية من أجل إدخال تعديلات على هذا المشروع، لكن أيا من هذه الجهود لم تفلح بذلك، وبدأت الجهود تصب نحو خيار صياغة قانون جديد لوسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. وقد تُرجم هذا الجهد في مشروع قانون الصحافة والإعلام الذي قُدم للمجلس التشريعي بتاريخ 9/4/2005 وصيغ من قبل بعض الشخصيات الإعلامية وآخرين يمثلون منظمات المجتمع المدني ليشمل كل أشكال وسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والمحوسب، فيسد بذلك الثغرات الواردة في قانون المطبوعات والنشر ومشروع قانون المرئي والمسموع، وهو يحتوي على 118 مادة موزعة على ستة فصول، واللافت فيه مقارنة بقانون المطبوعات والنشر ومشروع قانون المرئي والمسموع أنه يتوسع في شرح حقوق الصحفيين وواجباتهم، ويخصص فصلا للنقابة التي أعطاها دورا وهامشا لحماية حقوق الصحفيين ومتابعة قضاياهم، كما يقدم مقترحا لإقامة مجلس الإعلام الذي يكون بديلا عن وزارة الإعلام في الدول الديمقراطية، كما أنه يتطرق بالتفصيل لعدد من الضوابط المهنية للصحفي، كالموضوعية والحياد والدقة.
لكن هذا المشروع لم يُقرّ حتى بالقراءة الأولى، وبقي في أدراج المجلس التشريعي الذي شهد بعد ثمانية أشهر من تاريخ تقديم المشروع انتخابات فازت فيها حركة حماس بأغلبية المقاعد، تبعتها جلسات لم يكتمل نصاب معظمها بسبب الخلافات التي اشتعلت بين فتح وحماس، ومن ثم تعطل عمل المجلس بعد أشهر قليلة بسبب اعتقال رئيسه ومعظم نواب حماس من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
رغم ذلك ازداد ثقل الحراك الذي يقوم به الصحفيون ومؤسسات المجتمع المدني من أجل صياغة قانون جديد يكفل حرية التعبير ويخلو من القيود عليها.      

العوامل التي تؤثر على التشريعات المتعلقة بحرية التعبير في فلسطين:
تتأثر التشريعات المتعلقة بالإعلام، سواء من حيث تطبيقها أو تعديلها او الإضافة إليها بالعوامل التالية:
1- الانقسام بين الضفة وغزة:
أدى الاقتتال الداخلي في حزيران عام 2007 إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، تبعها إعلان حالة الطوارئ في الضفة الغربية، وأصبح هناك سلطتان فعليتان منفصلتان تسيطران على الضفة وغزة، حركة حماس والحكومة التي كانت تشكلها قبل إقالتها في غزة، والرئاسة الممثلة بالرئيس محمود عباس والحكومة التي شكلها برئاسة سلام فياض في الضفة. وقد انعكس هذا الانقسام على بعض وسائل الإعلام سيما تلفزيون فلسطين وفضائية الأقصى اللذين أصبحا يلعبان دورا في تعميق حالة الانقسام السياسي، وجزءا من الصراع(22)، إذ منعت حماس فضائية فلسطين من العمل في غزة وأوقفت بث إذاعة الحرية وصوت الشباب وصوت الشعب، فيما مُنعت فضائية الأقصى من العمل في رام الله، وصحيفتا الرسالة وفلسطين من الطباعة والتوزيع في الضفة.
ولم يُحتكم إلى أي من التشريعات الناظمة للإعلام في فلسطين من أجل ممارسة وسائل الإعلام حقها بالعمل وضمان حريتها. فضلا عن ذلك، فإن وسائل الإعلام المشار لها لم تُعطِ المواطنين الحق بالتعبير عن آرائهم بحرية، سيما إن كانت آراء مخالفة للتوجه السياسي للمحطة.
2- غياب ثقافة الديمقراطية وحرية التعبير عن الأحزاب والسلطة:
رغم ان وضع حرية التعبير في الإعلام أفضل بكثير مما هو الحال عليه في كثير من الدول العربية، إلا أن الكيانات السياسية الفلسطينية من السلطة والمنظمة والأحزاب، لم تمارس حرية التعبير بالمعنى الحقيقي داخلها، نظرا لغياب الديمقراطية الحقيقية.
فالسلطة منذ نشوئها لم تلتزم باحترام حرية التعبير، ولم تحدد موقفا واضحا إزاء ممارستها، بل قامت بـ”إبقاء الأبواب مفتوحة على كل الاتجاهات”(23)، ما أدى إلى غياب النقد والمحاسبة للقيادة من الجمهور والإعلام.
ولم تكن الأحزاب أفضل حالا، فحركة فتح التي بقيت في المجلس التشريعي حتى بداية عام 2006، عاشت طوال سنوات حكم ياسر عرفات “ديمقراطية أبو عمار” القائمة على أساس “قولوا ما تشاؤون وأنا افعل ما أشاء”(24). كما  تعاني الحركة أزمة في الديمقراطية الداخلية أدت إلى عدم تجديد قياداتها بسبب تأجيل انعقاد مؤتمرها السادس الذي كان مقررا عام 1989.
أما بالنسبة لحماس، التي يرى البعض أنها ذات اتجاه وطني مصبوع بصبغة إيديولوجية، فتتبنى نهجا مركزيا، يشبه ذلك الموجود في الأحزاب الماركسية اللينينية(25)، وكان الشيخ أحمد ياسين قد قال: “لسنا حركة ديكتاتورية، بل حركة جهادية، تتخذ كل قراراتها بطريقة الشورى”(26).
ويُستدل مما يُمارس على الأرض في الضفة وغزة بعد الانقسام، من استهداف الصحفيين واعتداء على المؤسسات الإعلامية، واعتقال للمواطنين على خلفية الرأي والانتماءات السياسية، عدم نضوج حرية التعبير عند أكبر فصيلين يتربعان على السلطة السياسية في فلسطين، وقد يكون ممن الصعب انتظار أن يصدر عن أي من ممثلي الحركتين في المجلس التشريعي أيُّ طرح لقانون يكفل حرية التعبير بشكلها الحقيقي، أو حتى تبني أي تشريع يكفل حرية التعبيرن دون أن يأخذوا بعين الاعتبار المصالح السياسية لتلكما الحركتين.  
3- غياب دور المجلس التشريعي:
سُجل قصور في دور المجلس التشريعي في الفترة الممتدة بين آذار 2006 وتموز 2007 حسب تقرير أصدره مركز رام الله لحقوق الإنسان الذي أرجع أسباب ذلك القصور إلى عوامل ثلاث هي التصعيد الإسرائيلي الذي منع نواب المجلس من التنقل والتواصل وحضور الجلسات بسبب الاعتقال، ثم المقاطعة المالية التي تسببت بأزمة داخلية استحوذت على جل اهتمام المجلس، هذا بالإضافة إلى حالة الإنفلات الأمني والاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس الذي أثر على حضور الجلسات وعلى جهود المجلس التي كثيرا ما خُصص جزء منها لتناول تلك الأزمات. 
4- الانفلات الأمني وغياب القانون:
يشير التقرير السنوي للهيئة المستقلة لحقوق المواطن أن 345 مواطنا قتلوا على خلفية الانفلات الأمني عام 2006، فيما وصل عدد الاعتداءات على الوزارات والمؤسسات العامة 273 حالة. 
وقد أثر هذا الإنفلات على سيادة القانون وتطبيقه، فالقوانين الناظمة للإعلام في فلسطين كغيرها من القوانين، أصبحت تفتقد إلى القوة التي تحميها أكثر من ذي قبل، الأمر الذي يُفقد الأمل بأن يكتسب أي قانون جديد أو تعديل للقوانين، قوة التأثير.
5- الاحتلال والاتهام بالتحريض:
أدت الاتهامات الاسرائيلية لوسائل الإعلام الفلسطينية بالتحريض في الماضي إلى اتخاذ مواقف سياسية وإجراءات تؤثر على حرية التعبير كاللجنة التي شُكلت بعد اتفاق واي ريفر الموقع في 14/5/1998 كي تتابع وسائل الإعلام الفلسطينية وتتأكد من عدم ممارسة أي تحريض ضد إسرائيل، وقد صدر المرسوم الرئاسي رقم (3) لسنة 1998 بشأن تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض بعد أسبوعين من الاجتماع الذي تم فيه الاتفاق على تشكيل اللجنة المذكورة، واعتبر “التحريض على استعمال العنف الذي يضر بالعلاقات مع الدول الشقيقة والأجنبية” أفعالا غير مشروعة توجب العقوبة، وقد اعتبرت جهات حقوقية هذا المرسوم غير قانوني ومخالفا لمبادئ الدستور الفلسطيني، لأن المراسيم ذات الأثر الواسع لا يجوز أن تصدر عن السلطة التنفيذية إلا في حال عدم وجود سلطة تشريعية، وقد كان المجلس التشريعي منعقدا في ذلك الحين. كما تبع هذا المرسومَ عدةُ قرارات فلسطينية تقيد حرية التعبير مثل إصدار وزارة الإعلام توجيهات لوسائل الإعلام بتخفيف حدة اللهجة المناوئة لإسرائيل، وقد صرح وزير الإعلام الأسبق نبيل عمرو بذلك(27).

 
المراجع

1- سموللا، رودني. حرية التعبير في مجتمع مفتوح. ترجمة كمال عبد الرؤوف. القاهرة: الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1995. ص66.
2- المرجع السابق. ص515.
3- تشومسكي، نعوم. ردع الديمقراطية. ترجمة فاضل جتكر. نيقوسيا: مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1993.
4- سعيد، محمد السيد. حرية الصحافة من منظور حقوق الإنسان. القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1995.
5- A.Smith. Subsides and the Press in Europe. London: PEP, 1997. 
6- احتلت فلسطين المركز الخامس بين الدول العربية من حيث مؤشرات الحريات الصحفية. أنظر: ملخص التقرير السنوي الثاني، الحريات الصحفية في البلدان العربية لعام 2006. (عمّان: مركز عمّان لدراسات حقوق الإنسان). ص24.
7- الشويخ، جهاد. الإذاعات الخاصة في الضفة والقطاع. رام الله: معهد الإعلام - جامعة بيرزيت. 2006. (دون ذكر دار النشر).
8- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. الحق في حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة. حالة قطاع غزة (مايو 94 ديسمبر 98): المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
9- المرجع السابق. ص19.
10- المرجع السابق. ص20-ص21.
11- المرجع السابق. ص22.
12- رويتر، كريستوفر، وإيرامتراود زيبولد. الإعلام وحرية الرأي في فلسطين. هامبورغ: مؤسسة هينرخ بل ومعهد الإعلام بجامعة بيرزيت، 2001.
13- أيوب، نزار. حرية الرأي والتعبير في مناطق السلطة. رام الله: مؤسسة الحق،2001.
14- رويتر، مرجع سابق. ص 29.
15- المرجع السابق. ص 30.
16- مؤسسة الحق. أوضاع متغيرة وانتهاكات مستمرة حقوق الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي وفي مناطق الحكم الذاتي. رام الله: تشرين ثاني 1995.
17- المرجع السابق. ص105.
18- لطفي، منال. ضمانات حقوق الإنسان في ظل الحكم الذاتي الفلسطيني، مناظرات حقوق الإنسان(1). القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. دون تاريخ.
19- رويتر، مرجع سابق. ص 29.
20- دائرة العلاقات العامة لهيئة الإذاعة والتلفزيون: - تلفزيون فلسطين.
21- رويتر، مرجع سابق. ص 69.
22- الهيئة المستقلة لحقوق المواطن. تقرير حول الحريات الإعلامية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال الفترة من 15/6/-30/11/2007، سلسلة تقارير خاصة (59). كانون أول 2007.
23- ملخص التقرير السنوي الثاني، الحريات الصحفية في البلدان العربية لعام 2006. (عمّان: مركز عمّان لدراسات حقوق الإنسان). ص103.
24- سالم، وليد. المسألة الوطنية الديمقراطية في فلسطين. رام الله: مواطن المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2000.
25- المرجع السابق. ص154.
26- ياسين، أحمد (مقابلة). مجلة السياسة الفلسطينية. عدد 17. شتاء 1998.
27- المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. الحق في حرية الرأي والتعبير في ظل السلطة. حالة قطاع غزة (مايو 94 ديسمبر 98): المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

لا ردود »

 صديق العمر


الجمعة, نوفمبر 14th, 2008 - في قسم قصص قصيرة

جمان قنّيص

كانت يداه ذواتا العروق البارزة تتحسسان جسم معن النحيل الصغير وهو يضمه بين ذراعيه، محاولا أن يواسيه ويشد من أزره، بعد أن رحل أبوه إثر مرض مفاجئ.

لم يستطع كبح دموعه الساخنة التي لم تنهمر في أصعب لحظات عمره الذي قارب الستين، فكيف يُعزّي بصديقه، وهو مَن يحتاج أن يُعزّى؟

يضغط على الصغير في حضنه بقوة عندما يتذكر الفرحة التي تلألأ بها وجهُ والده يوم مولده، لا يزال يذكر ملامح وجه صديق عمره الذي يشع طيبة وهو يثير زوبعة لم يألفها زملاؤه منه ويوزع حلوى البِشارة على الأصدقاء في المكاتب احتفالا بمولد وليّ العهد الذي سيحمل اسمه.

كان حديث المعرفة به، لكنه دخل قلبه سريعا، وأصبحا صديقين، وهل يوجد قلب لم يدخله أبو معن، فهو البشوش الخدوم المسالم الذي لا يذكر أحدا بسوء، ولا يعرف الحقد أو الغل، بل ويبادر بالسلام على من أساء له.

أرخى ذراعيه عن جسم الصغير، ثم أمسك وجهه بين كفيه، ونظر في عينيه، فقرأ فيهما انكسارا وحزنا لم يعهدهما من قبل، وما الذي يمكن أن يُحزن طفلا بعمره أكثر من اليُتم؟

تقفز إلى ذهنه ذكريات من الأمس البعيد، يتذكر أبا معن عندما كان يفكر بصوت مرتفع بمستقبل هذا الصغير، وينشغل بما يمكن أن يؤمّن له الحياة الكريمة، كان هذا الحزن آخر ما يتمناه له، لقد فتح لابنه حسابا في البنك، وبنى له طابقا فوق البيت كي يتزوج فيه عندما يكبر، … وأشياء كثيرة كان ينوي فعلها.

تنهمر دفعة جديدة من الدموع أكثر سخونة من سابقاتها، ما أصعب أن يفقد الإنسان صديق عمره، شريك ذكرياته، ومخزن أسراره، لو كان لا يزال موجودا، لشكا له مرارة فراقه، وصعوبة تحمل فقدانه.

أجال بصره في أركان غرفة المعيشة التي كثيرا ما تحدثا فيها عن أمورهما الأسرية والاجتماعية.

في هذه الغرفة كان أبو معن يستقبله، يرحب به ويحتفي. وعلى تلك السفرة، كثيرا ما تناول الإفطار أيام رمضان، دون تكليف، كضيف عزيز على أفراد الأسرة.

كأن الضحكات والفوضى المحببة التي كان يشيعها كي يُشعره بالألفة لا تزال أصداؤها تتردد في المكان.

يفيق من تأملاته، ولا تزال نظرات معن تُحدق به، لكن المكان لم يعد هو المكان، فقد اختفت الضحكات وغابت الفوضى الجميلة، وبدت الغرفة باهتة موحشة، يُحكم ذراعيه حول جسد معن، ثم يمسح بيده على شعره، ويذرف مزيدا من الدموع.

يقطع الصمتَ صوتٌ أنهكه الحزن: البقية في حياتك، أعزيك بوفاة أبي معن، أعرف أنه كان بالنسبة لك أكثر من أخ، لقد قال لي قبل أن يُسلم الروح، أن نلجأ لك إن ضاقت بنا الدنيا.  

خرج من البيت، استوقفته أشجارٌ كانا قد زرعاها معًا، أقسَم أن يعود ليقلمها، ويرويها، وأن يحرس أحلام صديق عمره إلى أن تتحقق.

 

الردود: 2 »